أمين نخلة كرّم الآخرين ولم يحظَ بتكريم في حياته

أمين نخلة كرّم الآخرين ولم يحظَ بتكريم في حياته

كان أمين نخلة أمير النثر العربيّ، وكان شاعرًا مبدعًا. وفي المجالين كان الصائغ الذي يختار كلمته بعناية بالغة، ويصقلها، حتّى إذا رآها متجانسة مع جارتها، منحها تأشيرة الدخول إلى نصّه. شارك في مهرجان تكريم لشاعر لبنانيّ أو في حفل تأبين شاعر آخر، لكنّه لم ينعم بمهرجان تكريم في حياته. في حزيران 1961 ألقى قصيدة في مهرجان مبايعة الشاعر بشارة الخوري، الأخطل الصغير، بإمارة الشعر مستهلها "أيقولون أخطلٌ وصغيرُ؟/ أنت في دولة القوافي أمير". تلاعب بلفظة "الصغير" وجعل المُكَرَّم "أميرا" يناقض الصغير. وهذا تكريم لكنه محدود. وقد روى لي الأديب بولس سلامة أنه سأل أمين نخلة لماذا لم تقل "أنت في دولة القوافي الأمير" خصوصا وأن ذلك لا يكسر الوزن ولا القافية؟ فأجابه نخلة: "وهل أمنحه الإمارة وحده ونخرج نحن صفر اليدين؟ كرّمته وقلت عنه إنه أمير. ونحن أمراء أيضًا". وبعد ستة أشهر شارك أمين نخلة في رثاء شبلي الملاط بقصيدة بدأها بالقول: "أحبابنا غادروا الدنيا فلا تلُمِ/ يا قلب، هذا أوان الهمّ والسقمِ".

كان من المقرّر أن يقام مهرجان تكريم الشاعر أمين نخلة في 15 نيسان 1973 في بيروت في قصر الأونيسكو. لكنّه أُلغي بسبب اغتيال الشاعر والسياسيّ الفلسطينيّ كمال ناصر قبل خمسة أيام، بأيدي عناصر من الموساد الإسرائيلي بينهم إيهود باراك (رئيس الحكومة لاحقًا)؛ وكان من المقرّر أن يلقي كمال ناصر قصيدة، وقيل إنه كان يضع اللمسات الأخيرة على قصيدته وقت اغتياله. 

كان البرنامج يتضمّن كلمات نثريّة وقصائد للشعراء: بولس سلامة (لبنان) عبد المنعم الرفاعي (الأردن)  لميعة عباس عمارة (العراق) نزار قباني (سوريا) محمـد الفيتوري (السودان) حسن القرشي (السعودية) صالح جودت (مصر) وكمال ناصر (فلسطين) مع كلمة الختام من سعيد أمين نخلة، ابن الشاعر الكبير.  

وقد اعتذر صالح جودت عن الحضور محتجًّا على ما جرى في مؤتمر الأدباء العرب في تونس (قبل نحو شهر) وفيه انتقد وفد اتحاد الكتاب اللبنانيين سياسة الحكومة المصرية معتبرا إياها تحدّ من حرية الأدباء وتضطهدهم. وفي عدد مجلة "الهلال" مايو/ أيار 1973 كتب الشاعر جودت يشرح موقفه وقال إنه كان قد أعدّ قصيدته ووعد بنشرها في وقت لاحق، ولم يفعل. تأجّل مهرجان التكريم، ثمّ اشتعلت الحرب في لبنان في ربيع 1975، فسيطر الرصاص وتوارت الكلمات. ومات أمين نخلة في العام التالي. 

وأشيع في الأوساط الأدبية أن الشاعر سعيد عقل كان سيلقي قصيدة في مهرجان تكريم أمين نخلة، وهو روى لهنري زعيب ذلك، وأسمعه إياها، فنشر ثمانية أبياتٍ منها في كتابه "سعيد عقل إن حكى"، مطلعها: " بـيـني وبـيـنـك لا عــرشٌ  ولا  تــاجُ/ قم نرْتَق الخلد، شعري اليوم مِعراجُ (...) الله فـنُّــك، سـيـفٌ سُـلّ، لـم يــرَه بـابُ الخـواطـر إلا انــزاح مـزلاجُ". وكان سعيد عقل روى لي أيضًا عن هذه القصيدة الجميلة، وتلا على مسامعي بعضًا من أبياتها، ما زلت أحفظ واحدا ذكّرني بأبيات الفخر في الشعر العربي االقديم، قال فيه: " المجد؟ ما المجد؟ لم أحـْـتـجْ إليه أنا/ عالي الجـبـيـن إلـيـه المـجـد يحتاجُ". 

 ولم أتمكن من الحصول على القصائد جميعًا، باستثناء ثلاث نظمها: بولس سلامة ولميعة عباس عمارة وعبد المنعم الرفاعي. ولم ينشر الشعراء الباقون قصائدهم وربّما لأنها لم تكن مكتملة تمامًا لديهم. ولم أعثر في الكراس المخطوط الموجود لدى أرملة محمد الفيتوري على قصيدته في أمين نخلة. 

بنَتْ لميعة عباس عمارة قصيدتها معارضة شعرية لقصيدة أمين نخلة الشهيرة "الحبيب الأول" التي مطلعها: "أحبك في القنوط، وفي التمنّي/ كأني منك صرتُ، وصرتَ منّي"، فاستهلت نظمها قائلة: "مَداكَ اليوم فوق مدى التمنِّي/ فخُذْ ما شئتُ لا ما شئتَ منّي/ عيوناً نحـو صـمتـكَ شاخـصاتٍ/ وقلبًا خاشـعًا وفمًا يُغنّي/ وأنت – يقالُ – شيخٌ مُطمئنٌّ / ولا، هيهات، لستَ بمـُطمئنِّ ". فضلا عن الاستهلال، حرصت الشاعرة العراقية في بيتها الثالث على إبداء تعلّقها بقصيدة أمين نخلة محيلة على بيته "هوًى مترنّح الأعطافِ طلْقٌ/ على سهل الشباب المطمئن". وختمت قصيدتها مردّدة: "أبا اللـّمحِ الشفيفِ لأنتَ عندي سَنًا أدنى إليَّ بلا تَدنّ/ كما لُبنانُ يَغمُرُني فأُشفى، ويَبعثُ نـَشوةَ الوترِ الـُمرِنِّ" على غرار التعبير الوارد في آخر أبيات قصيدة "الحبيب الأول": "ففي النغم العميق إليك أمشي، وأسلك جانب الوتر المُرِنِّ". فضلًا عن ذلك، حرصت لميعة عمارة على تضمين قصيدتها أحد أبيات أمين نخلة ""أحبك فوق ما وسعت ضلوعي، وفوق مدى يدي وبُلوغِ ظنِّي".  

وكانت لميعة عمارة قبل مجيئها إلى بيروت للمشاركة بالاحتفاليّة، تعاني في بغداد من حقدٍ وتجنٍّ، فقالت إنها لم تنجح في ضبط شجنها وطلبت المعذرة إذ هي جاهرت ولم تُكنِّ "على كَتِفـيَّ مِن ثِقَلِ الليالي عُصورُ جَهالةٍ وَرُكامُ سَجنِ"،  وقالت إنها واجهت المعاناة عزلاء إلّا من وهج صوت جسور "هو الصوتُ القديمُ وما تَوانى يقَدّم رأسَ صاحبه بصحن"، وفي ذلك إحالة على "رأس يوحنا المعمدان" الذي قُدّم في صحن إلى هيرودس. والجدير بالذكر أن الشاعرة العراقية تنتمي إلى طائفة الصابئة المندائيين، وهم قوم نبيّهم المقدس هو يوحنا المعمدان. 

ولم يفُتْ بولس سلامة أن يحيي في مستهلّ قصيدته أثَريْن من إبداع أمين نخلة: درّة النثر "المفكرة الريفيّة" وديوان "دفتر الغزل" قائلًا: "هل كنتَ للفنّ إلّا ذروة الأدبِ/ يا بلبل الريف، بل يا شاعر العربِ/  أطلَقتَه غزلاً كالصّبح رقّته/ فلا ضباب ولا ستر لمنتقب (...) رواة شعرك لبنان برمّته، جيلٌ على الصدحات الناعمات ربي". واسترسل بولس سلامة بالثناء على نثر أمين نخله وشعره، وخصّص أبياتًا لتحية والده رشيد نخلة، أمير الزجل (وناظم كلمات النشيد الوطنيّ اللبنانيّ)، وختم قصيدته الطويلة بقوله: "أمينُ، سِرْ في صرود الأرز منتشيا، مناجيًا قمة الجوزاء عن كثب/ وقُلْ لها: شرفات المجد موعدنا/ ملء العلى قلمي، لبنان منتَسَبي". وإذ كان من المقرر أن يكون تكريم أمين نخلة برعاية وحضور رئيس الجمهورية آنذاك، سليمان فرنجية، حرص بولس سلامة على تحيته هو والشعراء العرب: "رئيسَ لبنان، ها لبنان مجتمعًا بالوافدين، نجوم العالم العربي". 

أمّا الشاعر الأردني عبد المنعم الرفاعي فعندما نشر قصيدته، التي كان قد أعدّها سلفًا، أضاف إليها أبياتًا يدلّ معناها على أنه نظمها بعد علمه بنبأ اغتيال كمال ناصر: "وفتيةٌ آمنوا بالله وانطلقوا عبر الشهادة لليوم الذي كتبوا/ مستشهدون كأنّ الموت ما خفقت أعلامه في الذرى إلا بما نصبوا". أما أبياته التي تغنّى فيها بأدب امين نخلة، فمنها قوله: "إلى الذي ساجل الفصحى روائعها، وقال منكِ إليكِ الفتنةُ العَجَبُ/ إلى الذي رقَّ فانسابت قصائده مع النسيم، ومال الزهر والعشب/ صبٌّ أخو غزل، هيمان، مسرحه سهل الهوى وروابي السحر والشُّعَب/ تأنّق الفنّ في ناديه، يحمله إلى الجمال خيالٌ جامح يثبُ/ واستكبر الريف واخضلّت جوانبه، واهتزّ من زهوه العنقود والعنب". 

وأيضا حرص الشاعر (ورئيس الحكومة الأردنيّة سابقًا) عبد المنعم الرفاعي على تحية والد أمين وولده، مشيرًا إلى أنه هو الآخر أب لولد وحيد (السفير عمر الرفاعي): "إذا "الرشيد" نأى عن أفق منزلةٍ/ دنا "الأمينُ" فمُنحازٌ ومقترب/ أبا "السعيد" وكم يحلو النداء به/ حالي كحالك… نجلٌ واحدٌ وأبُ". وختم قصيدته بالتهنئة على التكريم: "يهنيكَ، يهنيكَ، هذا العقد تحمله مرَصّعًا، وحُلاهُ الماسُ والذهب/ حسب النجوم إذا في ليلها ائتلقت/ أن يرصد النورَ فيها الصيدُ والنُجُبُ". 

وفي الذكرى العشرين لوفاته أقيم مهرجان أدبيّ لتكريم أمين نخلة، في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1996، في مسرح إيفوار في بيروت، نظمته مؤسسة "ريبوراما"، وكانت الأمسية برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك الياس الهراوي، وقد ألقى كلمة. كما ألقت وزيرة الثقافة السوريّة د. نجاح العطار كلمة أدبيّة. وكان من المقرر أن يشارك الشاعران العراقي عبد الوهاب البياتي والسوداني - الليبي محمـد الفيتوري، لكنهما اعتذرا. كما لم يحضر الشاعر السعودي حسن عبد الله القرشي، وهو أرسل قصيدته لكنها لم تتلَ، لأن السعودية كانت ممثلة بالأديب عبد الله الخشرمي. بيد أنه في مهرجانٍ أقيم لتكريمِ شاعرٍ، ظلّ الشعر موجودا متمثّلا بالشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي الذي ألقى قصيدة جاء فيها: "لك الخلود فلم تخطئه قافية مما قنصت غزالات وغزلانا/ يبقين في الوهم سرًّا نافرًا أبدًا/ يَلُحْنَ حينا ويَستخفينَ أحيانا/ لك الخلود، فما زال الربيع فتى كما عهدت ، وفيـّا مثلما كانا". 

 

 

اقرأ المزيد من كتابات فارس يواكيم