فنجان قهوة

"كذبة نيسان" نشأت قديمًا ورافقتنا إلى اليوم

اعتدنا في مثل هذا اليوم، في الأوّل من نيسان، على تعبير "كذبة نيسان". وتعدّدت الروايات حول أصل هذا التعبير، وسبب ظهوره، من دون أن تستند إحداها إلى ما يمنحها الثقة. وبالرغم من أنّ الجزم ليس بالأمر الهيّن، إلّا أنّ ثمّة فرضيّات أكثر قبولًا من سواها. أوّلها فرنسيّ المصدر، يرجع إلى القرن السادس عشر، إلى التاسع من آب 1564، وهو اليوم الذي اعتمد فيه الملك شارل التاسع التقويم الغريغوري وأصدر مرسومًا نصّ على "أنه في جميع المعاملات والسجلات والوثائق والعقود والأنظمة والأوامر، سواء أكانت براءات اختراع أو رسائل، وفي جميع الكتابات الخاصّة. ومن الآن فصاعدًا يبدأ العام ويُحتسب من اليوم الأول من شهر كانون الثاني". 

لكنّ هذا التغيير لم يتمّ بسهولة ولا بسرعة. لم يمتثل الجميع لهذا القرار الملكيّ، فقد عارضه كثيرون في فرنسا وفي خارجها. وظلّ الفريق المعارض يحتفل بعيد رأس السنة يوم أوّل نيسان، بينما كان المؤيّدون يحتفلون بالعيد يوم أوّل كانون الثاني، وصاروا يطلقون على من ظلّوا يحتفلون بحسب التقويم القديم تعليقات ساخرة لأنهم صدّقوا "كذبة نيسان"، وتفنّنوا في تدبير المقالب المبنيّة على الكذب لتضليلهم، فقد يرسلون لهم يوم أوّل نيسان هدايا كاذبة في علب جميلة مخصّصة للحلوى، وعندما يمضغ هؤلاء الشوكولاتة يكتشفون أنّها ممزوجة بالملح أو الخلّ أو الفلفل الحارّ. أو قد يوجّهون لهم، بأسماء مستعارة، دعوات إلى مآدب للاحتفال بالعيد وعندما يلبّون الدعوة يكتشفون أنّها وهميّة. واستمرّ أنصار "أول نيسان" هدفًا للمقالب. 

ولكلّ بلد نسخته الخاصّة من هذا التقليد. في إنكلترا وروسيا واسكتلندا يُطلق على أوّل نيسان "يوم الحمقى" Fools’ Day. وفي البرتغال يُحتفل به باعتباره "يوم الأكاذيب". في ألمانيا هو "كذبة نيسان" Aprilscherz. أمّا في فرنسا، بلد المنشأ، فيطلقون عليه "سمكة نيسان" poisson d’avril. وقد تنوّعت النظريات الشائعة بصدد اختيار السمكة في التسمية. منها أنّ الأوّل من نيسان يقع – على الأغلب – في فترة الصيام الكاثوليكيّ الذي يُحظّر فيه تناول اللحوم، ويصبح السمك هو الغذاء الرئيسيّ. ومنها أنّه اعتبارًا من نيسان، كان يعتمد الامتناع عن الصيد للسماح للأسماك بالتكاثر، الأمر الذي جعل الأسماك نادرة ويصعب صيدها. ولذلك، فإنّ "سمكة كذبة نيسان" المراوغة هي إشارة إلى عادة خداع البسطاء السذج بتقديم طُعْمٍ يصعب عليهم صيده. ومنها ما يُنسب إلى علم الفلك والأبراج، كون الشمس في أول نيسان تخرج من برج الحوت، الذي يسمّيه الفرنسيون "برج السمك" Poisson.  

في الماضي، كان من لا يلتزم بتناول السمك بدل اللحوم في زمن الصوم الكبير يتلقّى سمكة مزيّفة كهديّة يوم أوّل نيسان، وكان السمك الميت يُستخدم في المقالب. أمّا اليوم فشاع الاعتماد على السمك المصنوع من الشوكولاتة. ومن تقاليد الماضي أيضًا: لصق سمكة ورقيّة على ظهر أحدهم من دون أن ينتبه. وعندما يكتشف المقلب، يصيح الآخرون "كذبة نيسان". وكانت هذه العادة تحظى بشعبيّة خاصّة بين الأطفال، لكن الكبار شاركوا فيها أيضًا. 

ويُرجع البعض تقليد المقالب إلى حاجة الناس الدائمة إلى الضحك، ويرى أنّ اعتماد الأوّل من نيسان هو لقربه من الاعتدال الربيعيّ الذي يوافق 21 آذار، وهو الوقت الذي ينخدع فيه الناس بالتغيّرات المفاجئة في الطقس. وفي اليونان القديمة، كان يُحتفل بيوم مخصّص لإله الضحك بعد 12 يومًا من الاعتدال الربيعيّ. واحتفل الرومان بـ"هيلاريا" في 25 آذار، وهو مهرجان أشبه بالكرنفال، غنيّ بالهزليّات والأزياء احتفالًا بعودة الربيع. ويرى آخرون أنّ هناك علاقة قويّة بين الكذب في أوّل نيسان وبين عيد "هولي" وهو مهرجان الربيع الهندوسيّ الذي يُحتفل به في يوم اكتمال القمر من شهر فالغونا، أي يوم 31 آذار،  وفيه يقوم البعض بمهام كاذبة ومقالب لمجرّد اللهو والدعابة ولا يُكشف عن حقيقة أكاذيبهم هذه إلّا مساء اليوم الأوّل من نيسان. 

وثمة رواية ضعيفة، مفادها أن راهبا كاثوليكيا يدعى دو سان مارتان، كان مقيمًا في مدينة كايين بمقاطعة النورماندي، نشر كتابًا في أواخر القرن السابع عشر موضوعه كيف يصون المرء صحّته بعد سنّ المئة. وكان بسيطًا فوقع ضحيّة مقلب دبّره بعض أصدقائه. فأخبروه أنّ ملك سيام قرأ  كتابه وأعجب به وقرّر أن يجعله طبيبه الخاص. وتصادف مرور وفد من سيام بفرنسا فتنكّر الأصدقاء بزيّ أهل سيام وزاروه ومعهم رسالة مزعومة من ملك بلادهم إلى ملك فرنسا يرغب فيها بتعيين الراهب وزيرا يهتمّ بأمور الصحة. وأقاموا على شرفه احتفالا ومأدبة ضخمة. كان ذلك يوم الأوّل من نيسان. قيل إنّ الراهب ظل سنتين يعتقد أنه وزير إلى أن اكتشف المقلب. 

عندنا كل يوم هو الأوّل من نيسان! نحن نكذب ونحن ضحايا كذب الآخرين. صدّقنا أننا سننعم بالراحة وترفرف علينا حمامة السلام، ففرّ السلام هاربًا ولم يبق لدينا سوى الحمامة. 

اقرأ المزيد من كتابات فارس يواكيم