سرقات عبد الوهاب وآل رحباني : شائعات أم حقائق؟
كثيرًا ما تقع عيناي في الفيسبوك على آراء وتعليقات ينشرها "أخماس متعلّمين"، تتناول عمليات سطو موسيقيّ مسلّح بآلات الأوركسترا على ألحان غربيّة، أقدم عليها كبار الملحّنين العرب، ويخصّون بالذكر: محمّد عبد الوهاب والأخوين رحباني.
قليل القليل ممّا قرأت كان بأقلام ذات دراية بالموسيقى. أمّا جمع الجمع، فمصدره نوع من الغوغائيّين، يلتقط بعض كلمات، وهو سارقها من غيره بما فيها من أخطاء في المصدر، ويعيد طرحها مشوّهة بجهالته على أساس أنّها من اكتشافاته المذهلة، فتجده يرتكب آراء من نوع: "معروف! كلّ ألحانهم مسروقة"! ويعدد بعض الألحان كما ذكرها من سبقه بناء على أنّ "منظمة الأونيسكو نشرت تقريرًا قالت فيه إنّ عبد الوهاب سرق 30 لحنًا"، وعلى أنّ الأخوين رحباني سرقا لحن موزار "يا أنا يا أنا".
ملاحظات سريعة: "بعض" الألحان أصبحت "كلّ" الألحان. وذِكْرُ تقرير منظمة الأونيسكو أضحى عُرضَة للمزاد، فتقرأ مرّة أنّ الأمر يتعلّق بـ 30 أغنية ومرارًا: 40 ، أو 17، أو 35، حسب الموسم. وحين تطلب من المتشدّق أن يذكر الأربعين يتوقّف – في أحسن الأحوال– عند سبعة!
والآن إلى الكلمة السواء:
أوّلًا: فيما يخصّ محمّد عبد الوهاب. نعم، هو نقل جملًا لحنيّة، تختلف أطوالها، من مؤلّفات موسيقيّة ابتكرها غيره، وتكتّم عن ذكر المصدر، فانتشرت على أساس أنّها من إبداعه. وهذا بحدّ ذاته سطو يستحق اللوم. وفي مقابلة تلفزيونيّة مع أذكى المذيعات ليلى رستم، اعترف عبد الوهاب بأنّه أقدم على ذلك فعلًا، وبأن ذلك عيب، وذكر على سبيل المثال: الضربات الشهيرة في مفتتح السمفونيّة الخامسة لبيتهوفن نقلها إلى لحن "أحبّ عيشة الحرية"، والمقدّمة الموسيقيّة لأغنية "يا ورد مين يشتريك" منقولة كما هي من لحن شعبيّ روسيّ.
فضلًا عمّا سبق، أشير إلى بعض الأمثلة الأخرى: في المقدّمة الموسيقيّة لأغنية "القمح الليلة" تتوالى جمل موسيقيّة منقولة كما هي من سمفونيّة Capriccio Italian "النزوة الإيطاليّة" للمؤلّف الروسيّ الكبير تشايكوفسكي. كما أنّ لحن "جفنه علّم الغزل" منقول إلى حدّ كبير، بدءًا من الجملة اللحنيّة الأولى "جفنه" من أغنية للكوبي أنطونيو ماتشين Antonio Machin عنوانها "بائع الفول السوداني (فستق العبيد)" El Manisero. أما أغنية المطربة اليونانيّة صوفيا فيمبو Sofia Vembo الشهيرة Poso Lipame "كم شعرتُ بالحزن" فقد حطّت بكامل أنغامها في "يا مسافر وحدك" التي غنّاها عبد الوهاب وقيل إنّها من تلحينه. كما نقل لحن المقدّمة الموسيقيّة والكوبليه الأوّل في أغنية "يا قلبي يا خالي" التي أدّاها عبد الحليم حافظ من لحن أغنية راي تشارلز "انطلق يا جاك" Hit the Road Jack للموسيقيّ الأميركيّ بيرسي مايفيلد Percy Mayfield من دون ذكر المصدر.
وعندما تسمع نجاة الصغيرة تغنّي لحن محمّد عبد الوهاب "القريب منك بعيد" تتوقّف عند مقطع: "يا رايح للي فايت لي عيوني سهرانة ولا داري/ أمانة اوصف له دمع عيوني طول ليلي ونهاري" وتشعر على الفور بالتشابه الكبير مع الجملة الموسيقيّة "بتجيب لي منه تذكار، شي ورقة وشي صورة" من لحن فيلمون وهبي "يا مرسال المراسيل" لفيروز. أما لحن "عندك بحريّة يا ريس" الذي قدّمه محمّد عبد الوهاب إلى وديع الصافي، فمنقول إلى حدّ كبير، مع بعض التصرّف، من اللحن الذي غناه من قبل المطرب اللبنانيّ إيليا بيضا.
كلّ ما سبق صحيح تمامًا. لكنّه نقطة في بحر، إذا قورن بالكمّ الهائل من الألحان الأصيلة التي أبدعها موسيقار الأجيال محمّد عبد الوهاب، وغنّاها بصوته، أو شدت بها حناجر كبار المطربات والمطربين في العالم العربيّ، على مدى ستّة عقود في القرن العشرين. ولصعوبة الحصر أكتفي ببعض الأمثلة من أغانيه: في الليل لمّا خلي، يا جارة الوادي، خايف أقول اللي ف قلبي، لمّا انت ناوي تغيب، إيمتى الزمان يسمح يا جميل، مضناك جفاه، ياما بنيت، علّموه كيف يجفو، كل ده كان ليه. ومن ألحانه بأصوات النجوم: مقاطع من "مجنون ليلى" وقد غنّتها أسمهان معه، كلّ أغاني فيلم "غزل البنات" لليلى مراد، ستّ الحبايب لفايزة أحمد، ع الضيعة لصباح، اسهار وسكن الليل لفيروز، أيظنّ وساكن قصادي لنجاة الصغيرة، إسأل دموع عينيّ و لولا الملامة لوردة الجزائريّة، فضلًا عن الكثير من ألحانه المبتكرة التي غنّاها عبد الحليم حافظ، أو التي شدت بها أم كلثوم. وعلى هذا الأساس، اعتبرُ مجمل سرقات عبد الوهاب لطخة صغيرة في أسفل ثوب جميل وأنيق للغاية.
وأذكر أنني طرحت على عبد الوهاب السؤال خلال لقاء في باريس، بخصوص المنقولات التي لم يذكر مصدرها، وكان جوابه: "كان أحمد شوقي يقول لي في الشعر العربيّ فيه حاجة اسمها التضمين".. قلتُ: "في الشعر نضع الشطر المقتبس بين قوسين، فأين نضع القوسين في الموسيقى؟" أجاب بعفوية: "مطرح ما يعجبك"! ضحكتُ وضحك واعتَبَر الضحك قبول الإجابة. وختمتُ معلّقًا: "لو أحصينا ما يقال عن اقتباساتك يا أستاذنا، فهي لا تبلغ اثنين بالمئة من إبداعك. يكفيك الباقي. أنت إمام الموسيقى العربية".
والآن إلى إبداعات الأخوين رحباني:
طالت الاتهامات الباطلة قامتين عظيمتين في الموسيقى اللبنانيّة والعربيّة. نبدأ بأغنية "مرفرف الدلال" أو "تراه، تراه، تراه" التي غنتها فيروز، باللحن ذاته لأغنية Quizás للموسيقيّ الكوبيّ أوزفالدو فاريس Osvaldo Farrés. وصاحب فكرة إنتاجها هو المخرج صبري الشريف، وكان آنذاك مدير القسم الموسيقيّ في إذاعة "الشرق الأدنى" وقد ابتكر "ركن الأغاني المُعَرّبَة" وشجّع الأخوين رحباني، وسواهما من الملحّنين العرب، على تعريب مجموعة من الأغاني العالميّة. سمعتُ أغنية فيروز، وكان واضحًا أنّ اللحن هو الكوبيّ، ولم أعثر على الأسطوانة لأعرف هل ذكر الأخوان رحباني اسم الملحن، أم أخفياه. وقد أخبرني الصديق شربل مورينو أنّ هذه الأغنية "قد سُجِّلَت مرتين: الأولى في إذاعة دمشق في مطلع خمسينيّات القرن الماضي، والثانية في أواخر العقد ذاته، وكانت من إنتاج "الشركة اللبنانيّة للتسجيلات الفنيّة" LRC التي أسّسها صبري الشريف والأخوان رحباني وآخرون. لكنّ هذه الأغنية لم تُطرح في الأسواق".
وقد غنّى هذا اللحن بالذات كثيرون: نات كينغ كول غنّاها بالإسبانيّة ثمّ بالإنكليزيّة وحافظ على اسم الأغنية. دوريس داي غيّرت اسم الأغنية إلى "ربما" Perhaps وغنتها بالإنكليزيّة، وبالإيطالية أدّاها أندريا بوتشيللي وبالفرنسيّة أنشدها هنري سلفادور وسواه. وحديثًا غنّاها رامي عياش مع عبير نعمة وحملت الأغنية التي كتب كلماتها نزار فرنسيس عنوان "بالعكس"، وحافظت على توقيع أوزفالدو فاريس.
والواقع أنّ عاصي ومنصور رحباني لم يخفيا أنّهما استعارا ألحانًا غربيّة عالميّة معروفة، بل ذكرا المصدر على أغلفة الأسطوانات، ولدى جمعيّة المؤلّفين والملحّنين في باريس Sasem. قالا إن أغنية "كانوا يا حبيبي" التي صدحت بها فيروز، هي على لحن الموسيقيّ الروسيّ ليف كنيبر Lev Knipper. وعنوان الأغنية الروسية Polyushko Polye ما ترجمته بالعاميّة اللبنانيّة "يا مَرْجي يا مريجاتي". وذكر الأخوان علنًا أنّهما استعارا لحن العبقريّ النمسويّ موتسارت في "السمفونية 40" في أغنية فيروز الشهيرة "يا أنا يا أنا وياك". وبالصراحة ذاتها قالا إنّ أغنية "لينا ويا لينا" التي تغنيها هدى هي لحن للمؤلّف الموسيقيّ الألمانيّ فيلكس مندلسون. وذِكر المصدر ينفي تهمة السرقة.
كذلك فعل زياد رحباني. ذكر أنّ لحن "لبيروت من قلبي سلام" هو للإسبانيّ خواكين رودريغو Joaquin Rodrigo. واللحن الذي غنّته فيروز، وتولّى زياد رحباني توزيعه، مستلّ من كونشرتو الغيتار "أرانخويث" Aranjuez (على اسم حدائق القصر الملكيّ في مدينة آرانخويث الواقعة في وسط إسبانيا). وقد نظم جوزف حرب كلمات هذه الأغنية. وقبل ذلك كان لَحنُ الأغنية الفرنسية الشهيرة Mon amour المستعار من اللحن الإسبانيّ ذاته قد انتشر بأصوات عالميّة كثيرة، من ريتشارد أنطوني إلى نانا موسكوري والكنديّة جينيت رينو، وإلى الأميركيّة جولي أندروز وقد غنّتهُ باللغة الإنكليزيّة وداليدا أنشدته بالإيطاليّة.
أمّا أغنية "يمكن" التي غنّتها فيروز أيضًا، بكلمات من صياغة ابنتها ريما، وتولّى زياد رحباني التوزيع الموسيقي، فقد ذُكر صراحة على الأسطوانة، أنّ اللحن من صاحبه الشهير جون لينون. وأيضًا وأيضًا بالنسبة إلى أغنية فيروز "شو بخاف". اللحنُ لحنُ أغنية "صباح الكرنفال" للموسيقيّ البرازيليّ لويس بونفا Luiz Bonfá ، ولم يخفِ زياد رحباني ذلك ولم ينسبه إلى نفسه. ومذكور على الأسطوانة عنوان الأغنية البرازيليّة Manhã de carvaval.
وهذا تقليد طبيعيّ ومعترف به عالميًّا. لا غضاضة إذا ذُكر المصدر. كلود فرنسوا، الموسيقيّ والمغنّي الفرنسيّ المولود بالإسماعيليّة في مصر، لحن الأغنية التي اشتهرت بعنوان "كما العادة" Comme d’habitude. اللحن ذاته غناه فيما بعد فرانك سيناترا بكلمات إنكليزيّة في أغنية حملت عنوان "نهجي" My way.
كما لحّن الموسيقيّ الفرنسيّ (المجريّ الأصل) جوزف كوزما قصيدة الشاعر جاك بريفير "الأوراق الميتة"Les feuilles mortes التي غنّاها إيف مونتان، ثمّ انتقلت باللحن نفسه إلى اللغة الإنكليزيّة بكلمات جديدة، متشابهة إلى حدّ ما مع النصّ الفرنسيّ، وغناها فرانك سيناترا وكذلك نات كينغ كول بعنوان "أوراق الخريف" The autumn leaves . واللحن ذاته نقله زياد رحباني، مع ذكر اسم الملحن الأصليّ في أغنية فيروز "بيذكّر بالخريف".
هذه كلمات مطلع قصيدة جاك بريفير: "آه، كم أتمنى لو تتذكرين/ الأيّام السعيدة آن كنّا صديقين/ أيّامذاك، كانت الحياة أجمل/ والشمس أشدّ وهجًا من اليوم./ تُجمع الأوراق الميتة بالرفش/ أرأيتِ؟ لم أنسَ./ تُجمع الأوراق الميتة بالرفش/ ومعها الذكريات والحسرات./ تذروها ريح الشمال/ إلى ليل النسيان البارد".
وكلمات النسخة الإنكليزيّة، على اللحن نفسه: "تساقط الأوراق أمام النافذة/ أوراق الخريف الحمراء والذهبيّة/ أرى شفتيكِ، وقبلات الصيف،/ واليدين اللتين لفحتهما الشمس، اللتين اعتدتُ أن أضمّهما./ منذ رحيلكِ، أصبحت الأيام طويلة/ وقريبًا سأسمع أغنية الشتاء القديمة/ لكنّني أفتقدكِ للغاية يا حبيبتي/ عندما تأخذ أوراق الخريف في السقوط".
أمّا نظم زياد رحباني فهو التالي: "بتذكّرك كل ما تِجي لَتغَيِّمْ/ وجَّك بيذكّر بِالخريفْ/ بتِرجَعلي كلّ ما الدّني بدّا تعتِّمْ/ مِتل الهوا اللّي مبلّش عَ الخفيفْ/ القصّة مش طقس يا حبيبي/ هَيْ قصّة ماضي كان عنيفْ/ بس هلّق ما بتذكّر شَكِل وجّك/ بس بِذكُر قِدّيْش كان أليف".
ونقطة على السطر.

