فنجان قهوة

كلام في اللهجات العربيّة 

أتاحت لي ظروف حياتي أن أخالط الناس وأن أعرف الكثير عن اللهجات العربيّة المختلفة. ولدت في الإسكندريّة (مصر) ابنا لوالدين من لبنان. أبي من بلدة قيتولي (قضاء جزين) وأمي من زحلة. في البيت كنت أسمع اللهجة اللبنانيّة فتعلّمتها منذ الطفولة، كما كنت أسمعها من زوّارنا اللبنانيّين أو أبناء بلاد الشام، وأستعرض معرفتي بها أمام الناس في لبنان حين كنّا نمضي العطلة الصيفيّة في ربوعه. وفي المدرسة مع الزملاء وفي أوقات الفراغ مع الأصدقاء تدرّب لساني جيّدًا على اللهجة المصريّة. وبعد الدراسة الجامعيّة في القاهرة استقرّ مقامي في بيروت. ومن يفهم اللهجة اللبنانيّة يلتقط لهجات الشوام جميعًا، مع فروق طفيفة في بعض المفردات أو في طريقة نطقها. 

وقبيل ختام ما سُمّي "حرب السنتين" شددت الرحال إلى الكويت، ومنها كنت أنطلق في زيارات إلى قطر والبحرين والإمارات والعراق، فتعلّمت لهجة أبناء الخليج العربيّ، وصرت أفهمها جيّدًا،  كما أفهم لهجة أهل بلاد الرافدين، القريبة منهم. 

واستوطنت باريس عشر سنوات وفيها خالطت الكثيرين من أبناء المغرب العربيّ، فحفظت الكثير من المفردات التي يتداولها أبناء تونس أو الجزائر أو المغرب. ولدى إقامتي في ألمانيا، وعملي في إذاعة "دويتشة فيله" DW سمعت كلّ اللهجات العربيّة من العرب العاملين بها وهم من مختلف الجنسيات. وكنت أستمتع بتمرين لساني بهذه اللهجة أو تلك. 

وتتشابه اللهجات العربيّة إلى حد كبير عندما يكون للكلمة العاميّة جذر في الفصحى. ومن يحكّ رأسه قليلًا يفهم، ومن يتكاسل أو يتبلّد تكتشف على الفور أزمة عدم الفهم بادية في ملامح وجهه. لكنّها تختلف تمامًا عندما يكون أصل الكلمة غير عربيّ، وهذا يرد في مختلف اللهجات العربيّة وبها بصمات الجذور القديمة لثقافات البلد قبل الفتح العربيّ، كتأثر أهل بلاد الشام بالسريانيّة والعراقيّين بالبابليّة والكلدانيّة والأشوريّة، والمصريّين باللغة القبطيّة، وأهل الجزائر والمغرب باللغة الأمازيغيّة. 

وتتعقّد الأمور عندما تكون الكلمة مقتبسة من لغة أجنبيّة، لكنها مُصَرَّفَة بلهجة عربيّة محلية. كقول اللبنانيّ "فلان مُشنِص" يعني محظوظ و"مشنص" تحوير للكلمة الفرنسية  chance أو قول الخليجيّ "بْطولةْ أو بْطال" بمعنى زجاجات، من الإنكليزية bottle أو قول التونسيّ "يِلَنْصيك" يعني "يُطلِقك" من فعل lancer الفرنسيّ، أو قول المغربيّ "مورسوات" والكلمة جمع مؤنّث سالم وفق صيغ الجمع العربيّة لكلمة morceau الفرنسيّة أي قطعة. أو قول الجزائريّ "زْلاميط" وهو يقصد "أعواد الثقاب" والكلمة مشتقّة ومحرفة من الفرنسية les allumettes مع البدء بحرفs  من الضمير les ووصله ببقية الكلمة. ومن "زالوميت" انتقلت إلى "زلاميط".  

وتتعقّد أكثر فأكثر عندما تسمع كلمة عربيّة لها معنى بلهجتك، ومعنى آخر تمامًا بلهجة عربيّة أخرى. إذا  قال أحدهم لعراقيّ يحادث بعض المصريّين: "هاذول زمايلي وأريدك تبسطهن". سيصفقون للقائل، وبعد مغادرته عندما ينفّذ العراقي وصيته سيلعنونه! فالجملة التي قالها بالعاميّة العراقيّة تعني بالعاميّة المصريّة "هؤلاء زملائي وأريدك أن تسعدهم"، أمّا معناها بالعراقيّ فهو "هؤلاء حميري وأريدك أن تضربهم". زْمالة، حاشا السامعين، معناها حمار بالمفرد وتجمع على زْمايل. والبسطة العراقية هي العَلْقة المصريّة أو الطريحة التونسيّة أو القَتْلِة بلهجة بلاد الشام. والصفعة بالعراقيّ يقال لها راشدي، وفي المغرب تْصَرْفيقا وفي بلاد الشام كفّ وفي مصر ألم. 

وكنت ذات مرة في مطعم بباريس وعلى المائدة المجاورة جزائريّ ومصريّ. وعندما حان وقت دفع الفاتورة همّ كلٌ منهما بالدفع. فقال الجزائريّ "لا.. أنا نخلّص عليك" فامتقع المصريّ الوديع لأنّ ما سمعه يعني "نقضي عليك" والجزائري يعني "ندفع عنك". وفي باريس أيضًا، ساعدني رجل مغربيّ طيّب في نقل الأثاث من شقة إلى أخرى، وشكرته وأضفت باللبنانيّة "يعطيك العافية" فانتفض مذعورًا مستهجنًا. وعلمت أنّ "العافية" في المغرب هي النار، واستطرادًا هي الجحيم! فكأنّي قلت له شاكرًا "إلى جهنم وبئس المصير". ومرّة جاءني صديق تونسيّ ومعه استمارة لطلب تأشيرة دخول لأحد البلدان وقال لي: "ماذا بيَّ (أريد) نكتبها بالعربيّ والسوريّ"! فاندهشت "عربيّ وسوريّ؟ السوريّ عربيّ!". وبعد الشرح فهمت أنّ "السوريّ" تعني أيضًا "الأجنبيّ" وتخصيصًا "الفرنسي". لأنّ الفرنسيّين عندما جاءوا تونس وقت احتلالها جلبوا معهم مترجمين، وتصادف أنّهم كانوا سوريّين. وسمع التونسيّون المترجم السوريّ يتكلم بلغة غريبة، فأصبحت صفة السوريّ تعني الفرنجي.  

والرجل يقال له في مصر راجل وفي بلاد الشام زلمه وفي السودان زول. وممكن أن تسمع في العراق "خوش ولد" والولد ليس بالضرورة طفلًا، فقد يكون المقصود بالحديث رجلًا تجاوز السبعين. ولد تعني في بلاد ما بين النهرين "إنسان". وإذا سمعت في تونس أحدًا يتحدّث عن "الطفلة" فليس بالضرورة أن يكون عمرها دون العاشرة، فهذا اللقب يمتدّ من الطفلة إلى الفتاة. وإذا قال لك عربيّ من بلاد المغرب إنه "معَرِّس" فلا يذهب ذهنك إلى "قَوّاد" بل إلى "متزوّج". 

وبعض الكلمات لها النطق ذاته في لهجات عربيّة، لكن بمعنى مختلف. فحين يقول التونسيّ "ننجّم" فهو لا "يقرأ الفنجان" بل هو يعني "نقدر، نستطيع". وحين يقول العراقيّ "على كيفك" فليس معناها على مزاجك وإنّما "على مهلك". وإذا سألت أحدًا عن عنوان فسيقول لك في مصر وبلاد الشام "دوغري" (من التركيّة دوغرو) وفي حلب "ساوي ساوي" وفي الكويت "سيدا" وفي العراق "قُبَل" بضم القاف التي تلفظ مثل الجيم المصرية، وفي تونس "طول" أو "تو دروا" (tout droit) وفي المغرب "نيشان". وزاوية الشارع هي في القاهرة "ناصية" وفي الإسكندرية "قمّة.. وتلفظ القاف ألف.. إمّه" وفي دمشق "سوكه" وفي حلب "عوجه" وفي بيروت "لفته" (وتلفظ أيضًا: سوكي، عوجي، لفتي). 

بعض الكلمات بإحدى اللهجات تأخذ في لهجة عربية أخرى معنًى قبيحًا، ويمكن أن يحمّر وجه السامع برغم براءة المتحدّث وحسن نيّته. وليس المجال هنا مناسبًا لعرض أمثلة من هذا النوع.       

اقرأ المزيد من كتابات فارس يواكيم