فنجان قهوة

فنجان قهوة

الـجـيـم الـمُـعَـطَّـشَـة... والـمَـسْـقِـيَّـة 

يتشابه الألمان والمصريّون في لفظ حرف g. يلفظ الألمان هذا الحرف كما يلفظ المصريّون حرف الجيم. في سائر اللهجات العربيّة تلفظ الجيم المُعَطّشَة، إلّا في مصر فيشفقون عليها من العطش ويسقونها. (لذلك أطلقتُ عليها "المسقيّة"). الألمان ينطقون "جرمانيا" كما ينطقها المصريّون. ولا يحتاجون إلى دعم حرف g بحرف u إذا تبعه حرف متحرّك، فيلفظون "جيتار" (الآلة الموسيقيّة) كما يلفظها أبناء القاهرة ويكتبونها كذلك Gitarre وليس Guitare كما يكتبها الفرنسيّون لكي يلفظوها بالجيم المصريّة. 

وقد لجأ المصريّون إلى كتابة حرف الجيم بثلاث نقاط عوض واحدة چ لكي يلفظوا جورج كما يلفظها الفرنسيون وأحفاد شكسبير، وإلّا لسمعتهم ينطقون: جورجي أو جرجس. لكنهم عندما يقرأون في مستهلّ الأفلام كلمة مونتاج أو ميكساج، وفيها الجيم أحاديّة النقطة، يلفظونها صحيحة كما يفعل الفرنسيّون. وكنت أضحك في لبنان عندما أسمع بعض العاملين في السينما يقولون مونولوج وديالوج بالجيم المعطّشة!  ويضطر أهل الهلال الخصيب إلى استخدام حرف الغين أو الكاف في الكلمات التي ترد فيها g فيكتبون غريس أو كريس مقابل اسم Grace، والإنكليزيّة أو الإنغليزيّة وليس الإنجليزيّة كما يكتبها المصريّون. ولجأ بعض العرب، خصوصًا العراقيين، إلى استخدام حرف الكاف وفوقه حركة تشبه الفتحة  گليكون بديل الجيم المسقيّة. 

وإذا تتبّعنا مسيرة كتابة اسم القيصر الألماني غليوم الثاني منذ نشأتها بنطق الاسم كما يلفظه أهل بلاده، إلى حين رسوها على هذا الشكل في الكتابة العربيّة، أدركنا كنه حرف الجيم وأحرف أخرى برفقته. هذا القيصر يدعى بالألمانية فيلهلم Wilhelm ومقابل هذا الاسم بالإنكليزيّة (أو الإنجليزية) وليم  William وبالفرنسيّة Guillaume وتلفظ صوتيا Guiyom. في سنة 1898 زار القيصر القدس ودمشق وبعلبك. وأراد أهل بلاد الشام كتابة اسمه، فنقلوه عن الفرنسيّة. بداية تحوّلت الـ g إلى حرف الغين. ويبدو أن المترجم كان ضعيف الإلمام باللغة الفرنسيّة ولم يدرك أنّ تكرار حرف L في هذا الاسم لا يُلفظ، فكان أن نقله إلى العربية ليصبح اسم القيصر: غليوم! ومن وقتها أخذ الناس يقولون عن فيلهلم الثاني، غليوم الثاني!

ويتشابه الألمان وأهل الخليج العربيّ في لفظ حرف J. لا يلفظونه كما يفعل أوروبيّون آخرون حين يقرأون اسم Jean أو  Joseph جان أو جوزف، بل يان ويوزف، فتتحوّل الجيم إلى ياء. تمامًا كما يلفظ أهل الخليج العربيّ، حين يتحدثون بلهجتهم العامية، فيقولون "دياي" بدلا "دجاج" و"ريال" بدلا من "رجال". 

كما يتشابه أهل الخليج العربي والسودان، بإجراء الإبدال بين القاف والغين في لهجاتهم العاميّة. البرتغال هي الفاكهة والبرتقال اسم الدولة. أمّا القاسم المشترك بين أهل تونس والعراق فيظهر واضحًا في لفظ حرف الضاد بصوت حرف الظاء: ظربه بدلا من ضربه، ظاري عوض ضاري. ويبلغ الأمر بالبعض إلى إجراء الإبدال لدى الكتابة، بعفوية، فيكتب "الضاهر" وهو يقصد "الظاهر"، لأنّه يلفظها كذلك، أو يكتب "يظع" وهو يقصد "يضع". لكن عندما يتعلق الأمر بالكلام على لغة الضاد، يحترم الجميع الحرف لفظًا وكتابة.

ويميل أهل المغرب إلى تفضيل حرف الطاء على التاء إذا اقتضى الحال كتابة اسم أجنبيّ بأحرف عربيّة. وفي الرباط ومراكش وسواها من المدن قرأتُ أومليط omelette وطاكسي taxi وأوطيل hôtel بينما اعتادت عيني قراءتها في مصر ولبنان: تاكسي وأوتيل. وفي مصر تتفوّق التاء على الطاء فيكتبون أنتوني كوين، وفي لبنان هو أنطوني كوين. ويقف بعض الشيعة في جنوب لبنان على الضفة الأخرى، ويفضّلون التاء على الطاء في الحديث الدارج فتسمع "تريء" بدلا من "طريق" و"تاريء" بدلا من "طارق" و"بتّيخ" بدلا من بطيخ. أما أهل شمال لبنان، الموارنة في بشري وإهدن وما حولهما، والسُنّة في طرابلس وعكار، فيميلون في حديثهم العامي إلى قلب الألف واوًا، فيقولون "القوضي" (القاضي) و"ميقوتي"(ميقاتي) و"فوضي" (فاضي) وذلك بتأثير اللغة السريانيّة التي كانت سائدة في الشمال (آلوهو، أي الله). 

وفي بلاد الشام ينطق الدروز والعلويون والاسماعيليّون وقسم من المسيحيّين، سكان الجبال، حرف القاف في لهجاتهم العامية كما يتوجب لفظه باللغة الفصحى. بينما يميل سكان السواحل، ومصر أيضًا، إلى إبدال القاف بالهمزة، فتسمع "هات الألم" بمعنى "هات القلم". وفي بعض اللهجات العربية تُلفَظ القاف بصوت الجيم المصريّة فيقال "جال لي" بمعنى "قال لي". وفي لهجتهم العاميّة يلفظ أهل الخليل بفلسطين القاف بصوت الكاف (كال لي أي قال لي). ويتميّز الدروز، فضلا عن النطق الفصيح لحرف القاف، بنطق حرف الثاء فصيحا "الطابق الثالث". أما هذه "الثالث" فتسمعها في الكثير من اللهجات العربية "التالت". وأحيانًا يتعرض حرف الثاء إلى التحوّل إلى حرف السين: "سَوْرة" بدلا من "ثورة". ويخلط بعض العرب بين الظاء والزاي فتسمع "الزروف صعبة" بدلًا من "الظروف صعبة".  

وقد أخبرني الأديب اللبناني بولس سلامة أنّه كان يعرف مذهب عامل المطبعة، حين يرسلون له بروفات كتابه الجديد قبل الطبع، من إخطائه الإملائيّة ذات الصلة بطريقة لفظ الأحرف.    

وأذكر يومًا كنت فيه بإحدى الإذاعات في مقصورة المخرج في الاستوديو أنتظر أن يحين موعد نشرة الأخبار، وكنت مكَلّفًا قراءتها. كانت مذيعة الربط، وهي من اللواتي ينطقن القاف فصيحة في حديثها العامي، تخبر المستمعات والمستمعين "وإلى أن يحين موعد النشرة نقضي هذه الدقائق مع أغنية فريد الأطرش: ما قال لي وقلت له". لفظت القاف الفصيحة. وحين خرجت من الاستوديو قلت لها: "الأغنية ذاعت عند الناس بلفظ "ما آل لي وأُلت له". وما دمتِ قد مارستِ الإبدال، فيا ليتك استرسلتِ ونطقتِ: يغنّيها لكم فريد القَطرَش"! 

 

 

اقرأ المزيد من كتابات فارس يواكيم