فنجان قهوة
كلاوديا قبطان ورومي خيّاط وبوريس خباز
تُشتَق أسماء العائلات في مختلف البلدان واللغات من مصادر متشابهة. إمّا نسبة إلى مهنة كمثل اللحّام والفرّان والسمّان، وإما يكون الجدّ الأول استوطن البلد آتيًا من وطن آخر فيلتصق اسمه به كما الطرابلسيّ والشاميّ والصيداويّ وبتدّيني. بعض العائلات تُنسب إلى مرجعيّات دينيّة كالخوري والمطران والشمّاس والشيخ والإمام والفقيه. واستطرادًا أسماء عائلات مشتقّة من الألوان أبيض أو أسود أو أحمر، أو الأحجام كالطويل والقصير، أو الأوزان مثل رطل أو كيلو أو الإعاقة كالأطرش أو الأخرس، أو أسماء الحيوانات: ديب، نمر، أسد، فهد الخ ... والأرجح أن هذه متوارثة من الاسم الأوّل للجدّ مؤسّس العائلة.
وكما في اللغة العربيّة كذلك في اللغة الألمانيّة. المصادر ذاتها. Bischoff تعني مطران، وهذا اسم عائلة ألمانيّة. كما Weiß أبيض و Schwarz أسود. ومثل Gross يعني كبير و Klein أي صغير. ولوفLöw يعني أسد، وبير Bär مقابله ديب، أما فالكه Falke فهو الصقر. لكن ثمة عائلة Fuchs فوكس، أي ثعلب، لا أذكر لها شبيها بين أسماء العائلات اللبنانيّة أو العربيّة (يوجد الثعالبي مؤلّف كتاب فقه اللغة الشهير). بينما تجد معادلًا لاسم عائلة الأديب النمسوي شتيفان تسفايغ (زفايغ) Zweig بمعنى غصن. ومن بين الأطباء الألمان عرفت الدكتورة Gast وتعني "ضيف" وللوهلة الأولى أدهشني الاسم، لكنني تذكرت أستاذ الأدب المصري د. شوقي ضيف، والممثل الكوميدي المصري الضيف أحمد، فزالت دهشتي.
التشابه في أسماء منسوبة إلى مهن لا لبس فيه. شراينر Schreiner هو النجّار، كوخ Koch هو الطبّاخ وشيفر Schäfer معناه الراعي. وإذا أردت أن تترجم اسم الممثلة وعارضة الأزياء كلاوديا شيفر Schiffer إلى اللغة العربيّة لأصبح اسمها كلاوديا قبطان. أمّا النجمة النمسويّة رومي شنايدرSchneider فيصبح اسمها رومي خيّاط، وأما لاعب التنس الألماني الشهير بوريس بيكر Becker فهو بوريس خبّاز.
تعاملت في مدينة بون بألمانيا مع استوديو للانتاج التلفزيونيّ والسينمائيّ، وكان مديره آنذاك يدعى كرويتر Herr Kreuter أي السيّد "أعشاب". وعندنا أسماء عائلات مستوحاة من المآكل، ومنها عائلة كوسا أو بقدونس أو بطيخة. ولم يبلغ مسامعي في ألمانيا إلّا اسم واحد، المستشار الأسبق هلموت كول، واسم عائلته Kohl يعني ملفوف أو كرنب باللهجة المصريّة.
وعندنا عائلات معادن ثمينة مثل دهب، فضة، مرجان. لكنني لا أذكر وجود عائلة كهرمان مثلما الحال في البلدان الناطقة بالألمانيّة Bernstein. وفي لبنان، وبلدان عربيّة أخرى، عائلة رمّال. لكن ليس عائلة رمل Sand. ومن أسماء العائلات المألوفة في المشرق: ورد وزهر وريحان، ولا يوجد اسم "باقة" كما هو الحال في ألمانيا Strauss عائلة فرانتس يوزف شتراوس، السياسيّ الألمانيّ الذي حكم لسنوات طويلة ولاية بافاريا وكان خلالها رئيس حزب "الاتّحاد المسيحيّ الاجتماعيّ" CSU.
وفي سياق الثمار نفسه، أذكر أنّ الورود بالألمانيّة تعني Rosen والأزهار تعني Blumen والجبل يقال له Berg أمّا الوادي أو السهل فهو بالألمانيّة Thal . وبناء عليه، فإن عائلة روزنبرغ Rosenberg تعني "جبل الورود"، وأسرة Rosenthal هي"وادي الورود". أما "جبل الأزهار" فهو اسم عائلة Blumenberg بلومِنبرغ، واستطرادًا فإنّ عائلة Blumentahl هي عائلة "وادي الأزهار". وإذا سمعتَ لقب Baumgarten ولفظه باومْغارتن فهو اسم عائلة "بستان الأشجار" وجيرانهم أفراد أسرة Weingarten فاينْغارتن هم آل "حديقة الكروم". وعرفت قاضيًا متقاعدًا في مدينة بيلفيلد اسمه السيّد "غرون هاوبت" Grünhaupt أي "ذو الرأس الخضراء".
ومن أسماء العائلات الطريفة في ألمانيا: Brief أي رسالة. وقد التقيت خبيرة في الاستثمارات الماليّة لدى أحد المصارف في ألمانيا، اسمها السيدة بريف. كذلك الأمر بالنسبة إلى عائلة الموسيقيّ الألمانيّ يوهان سباستيان باخ، إذ يعني الاسم Bach الجدول (نهر صغير) والموسيقيّ الألمانيّ الآخر فاغنر Wagener أي "العجلاتي" (صانع العجلات). عائلة الأديب السويسريّ ماكس فريش Frisch هي أسرة "طازج". أما "ناضج"فهو لقب إعلاميّ رياضيّ ألماني مارسيل رايف Reif. ولاسم عائلة المستشرقة الألمانية آن ماري شيميل Schimmel معنيان باللغة العربيّة، الأول هو "الحصان الأبيض" والثاني "عَفَن". وكانت زميلة لي في الإذاعة الألمانيّة تدعى السيدة بيش Pech أي "سوء الحظ".
ومن محترفي كرة القدم الألمان لاعب اسمه لوكاس كلوسترمان Klosterman يعني "رجل الدير". وآخر لعب في نادٍ منافس، لكن اسمه به نفحة روحانية أيضًا، يدعى كيفن غروس كرويتس Großkreutz أي "الصليب الكبير". وفي المنتخب الألماني الذي فاز بكأس العالم سنة 1990 كان أحد لاعبي خط الوسط يدعى أوفِه باين Bein ومعناه "الساق". أما في المنتخب الفائز بكأس العالم سنة 1974 فكان الجناح الأيسر اسمه هولتسينباين Holzenbein أي "ذو الساق الخشبية".
ومن الساق إلى الساق الخشبية نمرّ باسم Dreyfus يعني "الثلاثيّ الأقدام". باللسان الألمانيّ يُلفظ الاسم دراي فووس Drayfous وبالفرنسي دريفوس Dréfus. وهو لقب ضابط فرنسيّ برتبة نقيب، شغل اسمه الرأي العام 12 سنة بما عرف بـ"قضية دريفوس". يحمل اسمًا ألمانيًّا لأنّه من مواليد مدينة Mülhausen (بالفرنسية مولوز) الواقعة في إقليم الألزاس الذي تقلّب بين التبعيّة الألمانيّة حينًا والفرنسيّة حينًا آخر. "قضية دريفوس" عكست صراعًا اجتماعيًّا وسياسيًّا ظهر إلى العلن في عهد الجمهوريّة الفرنسيّة الثالثة، وتلوّن بالمشاعر القوميّة المتشدّدة ومعاداة السامية. في نهاية عام 1894، اتُهم النقيب في الجيش الفرنسيّ ألفريد دريفوس اليهوديّ الأصل بالخيانة، وأنّه أرسل للجيش الألمانيّ ملفات سريّة، فصدر الحكم عليه بالأشغال الشاقة مع نفيه إلى "جزيرة الشيطان" (l'île du Diable). وانقسم المجتمع الفرنسي بين مؤيّد للحكم ومعارض له. وفي كانون الثاني/ يناير 1898 نشر الأديب الفرنسي إميل زولا مقالة بعنوان !J'accuse "إنّي أتّهم" دافع فيها بقوة عن مؤيدي دريفوس. بيد أنّ انقسام المجتمع الفرنسيّ استمر حتى عام 1906 حين اُعلنت براءة دريفوس رسميًّا، وأُعيد تأهيل النقيب في الجيش، وشارك في الحرب العالميّة الأولى.
وأختم أسماء العائلات الألمانية بألقاب طريفة، ذات صلة بالأرقام. كانت موظفة في جهاز إعلاميّ تُدعى "90" نوينتسيغ Neunzig يعني "تسعين". وسابقًا كان الاتّحاد الألمانيّ لكرة القدم برئاسة تسفانتسيغر Zwanziger أي "العشريني". وأحد حكام الكرة اسمه تسفاير Zweier أي "المَثْنى". ولربما كان الألمان سعداء باحتكار مثل هذه الألقاب، إلى أن أتاهم لاعب كرة جزائريّ، انضم إلى فريق دورتموند، واسمه رامي بن سبعيني. وكما حنا كذا حنَين.


