"يا جارة الوادي" من قبل مولدها إلى غنائها
اوتيل الصحة من ارشيف أندريه ألبير نجار
كان أحمد شوقي يحبّ تمضية فصل الصيف في ربوع لبنان. وفي 7 آب 1925 زار زحلة بدعوة من "النادي الرياضيّ الأدبيّ" الذي أقام على شرف الشاعر الكبير مأدبة غداء عند ضفة نهر البردوني، حضرها محافظ البقاع محمود تقي الدين (أبو سعيد وخليل وبهيج ومنير) ورئيس النادي نجيب شمعون ونائبه ابراهيم شحادة. مأدبة حفلت بأطايب الشراب والطعام وطريف الكلام في ذلك الموقع الجميل حيث يهبّ النسيم ماحيًا قيظ شهر آب، وجمعت كوكبة من أدباء المدينة الذين يعرفون شعر شوقي جيّدًا ويحفظون منه الكثير ويجادلونه فيه، بينهم المؤرّخ والأديب عيسى اسكندر المعلوف، والقاضي الأديب راجي الراعي، والسياسيّ الشاعر شبل دموس والصحافيّ الأديب شكري البخاش. غنّى الزحلاوي نجيب مسلّم على مسمع "مطرب الملوك والأمراء" محمد عبد الوهاب الذي رافق شوقي في الرحلة، وعزف المصور الفنان خاتشادوريان على الكمنجة، وألقى ضيف الحفل الشاعر البيروتيّ عمر الزعني زجليّاته الظريفة.
وفي المساء أقيمت السهرة الأدبيّة التي استقطبت حشدًا كبيرًا غصّت به قاعة "أوتيل الصحة"، وكان موقعه عند مدخل الوادي بالضبط (لم يعد موجودًا اليوم). السهرة على شرف أمير الشعراء، تكلّم فيها شهير الخطباء شبل دموس، وألقى عيسى اسكندر المعلوف كلمة بحثيّة عن العلاقات اللبنانيّة المصريّة. وسمع شوقي والحضور قصائد احتفاء به ألقاها ناظموها قيصر المعلوف ونجيب أبو سليمان وعمر الزعنّي. وتفاجأ الحضور بالشاب ذي العشرين ربيعًا، شفيق المعلوف، نجل المؤرّخ، يلقي قصيدة مطلعها: "مَنْ كشوقـي رافـلًا في سـؤددِه، صـولـجان المـتـنـبـّي في يـده/ ردَّ عـرشَ الــيـعـربــيـيـنَ لـنــا، فتنزَّى مـجدُه من مرقـده/ حقّ أن يفتخر العرش بمن لُمَعُ العرش بقايا عسجده".
وبحسب جريدة "زحلة الفتاة" حاول رئيس تحريرها شكري البخاش أن يستدرج الضيف الكبير ليسمع الناس قصيدة منه في زحلة. وفي غالب الأحيان، كان شوقي يحمل إلى المدن التي يزورها قصيدة، كمثل "يا شراعًا وراء دجلة" تحيّة لبغداد، أو "قُم ناجِ جلّق وانشُد رسْمَ من بانوا" المهداة إلى دمشق. لكن شوقي "كلّفه أن يبلّغ الجمهور أنه لم يشأ نظم قصيدة في تحيّة زحلة إلّا بعد أن يعرفها ويتمتّع بجمال واديها". وذكرت صحيفة "المعرض" أن "مسك ختام هذه الليلة الساهرة كان قصيدتين لشوقي بك إحداهما "تحية بيروت" والثانية "خدعوها"، فأسكر الحضور بصوته العذب محمد عبد الوهاب، المطرب الشهير".
وقد وصف الشاعر سعيد عقل وقائع زيارة شوقي هذه، بقصيدة جميلة ألقاها يوم احتفلت زحلة سنة 1971 بإقامة تمثال نصفي لأمير الشعراء تمّ نصبه عند مدخل مطعم عرابي في وادي زحلة. قال: "طرقتَ لمامَ الطيف ذات عشيّةٍ.. وكوكبَ من حَوْليكَ جِنٌّ وسُمَّرُ/ هم أسمعوك القولَ، زُلزلتَ من شجًى.. هُمُ سكبوا، جُنَّتْ بكأسك أخمُرُ/ وحتّى إذا غنّى (شفيقٌ) ورُنِّحتْ بلابلُ واعلولت لما قال أنسرُ/ وعرّج صوب الكون (راجي) يزيده صِبًا، وتغاوت حكمةٌ تتأزَّرُ/ ولاعَبَ بعضًا من خواطر أو مُنًى بيانٌ لذاك (الشبل) بالضوء يقطُرُ (...) هممْتَ بنُطقٍ، إنما هِبتَ موقفًا.. فقلتُ: لكم يومٌ معي طاب يُذكرُ".
وحلّ ذلك اليوم بعد عامين، في أواخر آب 1927، فجاء أحمد شوقي إلى المدينة القائمة بين جبلين، والتي سمّاها "جارة الوادي"، وفي جعبته قصيدة لها، وبرفقته محمد عبد الوهاب والصحافيّ فكري أباظة. ولم يكن شوقي يلقي قصائده بنفسه، لعلّة لديه في مخارج الحروف. تلك كانت مهمة فكري أباظة، الذي راح في الفندق يردّد القصيدة استعدادا لإلقائها. وكان عبد الوهاب يداعب خياله الموسيقيّ، فعزف على العود وأنشد ثمانية من أبياتها، فأطرب شوقي بك الذي ارتأى أن يلقي أباظة القصيدة ويغني عبد الوهاب ما لحّنه منها.
في فندق قادري، أقيم الاحتفال الكبير، الرسميّ والشعبيّ. حضره رئيس مجلس النواب الشيخ محمد الجسر (والد باسم وسالم وعاصم) ورئيس الحكومة الشيخ بشارة الخوري (لاحقا رئيس الجمهوريّة) ووزير الماليّة المير خالد شهاب (لاحقًا رئيس الحكومة) وشكري قرداحي وزير العدليّة والمعارف، وجورج تابت وزير الداخليّة والشاعر الياس فيّاض وزير الزراعة، ونوّاب زحلة يتقدّمهم موسى نمّور وشبل دموس، والشاعر خليل مطران، وعدد كبير من المصطافين المصريّين، ومن استطاع من أهل زحلة إلى الاحتفال سبيلا.
ألقى الشاعر حليم دموس كلمة الترحيب، وسمع الحضور خطاب الشيخ محمد الجسر، وتولى فكري أباظة تلاوة قصيدة شوقي، فلقيت استحسانًا ملحوظًا وكان التصفيق الحادّ تعبيرًا عنه. ثمّ كانت كلمة شاعر القطرين خليل مطران، فرحّب بشوقي والمصريّين، باسم زحلة ولبنان، وأشاد بالصلات الوثيقة التي تربط البلدين الشقيقين.
واختتمت جريدة "المعرض" وصفها بالقول: "وبعد هذه الحفلة الفريدة، ذهبت الجماهير ترشف الكؤوس وتتنشق النسيم العليل في ربوع الوادي الظليل". ولم يفت الحضور أن يقدموا التهاني لأحمد شوقي لمناسبة مبايعته أميرًا للشعراء قبل أربعة أشهر في احتفال أدبيّ كبير بدار الأوبرا بالقاهرة.
وعندما نشر شوقي قصيدته في "زحلة الفتاة" حرص على تدوين تاريخها: 21 آب/ أغسطس 1927. وتصادف أنّ الزعيم المصريّ الكبير سعد باشا زغلول توفي في اليوم التالي. وحين شارك أحمد شوقي في مهرجان الرثاء الذي أقيم بعد أربعين يومًا، حرص على شرح سبب تخلّفه عن تشييع زعيم الأمّة بأنّه كان في زحلة، وحرص على أن ينقل إلى الجمهور المصريّ تعاطف أهل جارة الوادي مع أبناء وادي النيل في مصابهم الأليم: "سائلوا زحلة َعن أعراسها.. هل مشى الناعي عليها فمحاها؟/ عطَّل المصطافَ من سمَّاره، وجلا عن ضفة الوادي دماها/ فتح الأَبواب ليلًا ديْرُها، وإلى الناقوس قامتْ بيْعتاها".
وفضلًا عن "زحلة الفتاة" نشرت "المعرض" القصيدة، وكذلك صحف أخرى. كما نشرها حليم دموس في الجزء الثاني من كتابه "المثالث والمثاني" وهو كان قد تسلّم من أمير الشعراء نسخة منها. هي الأصحّ، كما سأوضّح لاحقًا.
الأبيات التي لحّنها محمد عبد الوهاب وأنشدها، غنّاها من بعده: فيروز، ونور الهدى والمطرب المغربيّ عبد الهادي بلخياط. والبيت الذي تبدأ به الأغنية، ليس البيت الأول في قصيدة شوقي، فهو يستهلها بالتحسّر على تقدّمه في العمر، ويقول لها قبل أن يتغزّل بها، ليته عرفها في عمر الشباب: "شيّعتُ أحلامي بقلبٍ باكِ، ولمَمْتُ من طرق المِلاح شباكي/ ورجعت أدراج الشباب وورده، أمشي مكانهما على الأشواك".
والبيت الذي بدأ به عبد الوهاب الأغنية هو البيت العاشر في قصيدة الديوان: "يا جارة الوادي طربت، وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك/ مثّلتُ في الذكرى هواك وفي الكرى، والذكريات صدى السنين الحاكي/ ولقـد مررت على الريـاض بربـوة غنّاءَ كنتُ حِيالها ألقاكِ". وعندما أنشدت فيروز الأغنية لحّن الأخوان رحباني بيتًا إضافيًّا، لم يلحّنه عبد الوهاب: "ضحكـت إليّ وجـوهـها وعـيونها، ووجـدت فـي أنـفـاسـها رَيّاك".
وختم عبد الوهاب الأغنية بالبيت القائل: "لا أمسِ من عمر الزمان ولا غدٌ.. جُمع الزمان فكان يومَ رضاك".
وقد رأى البعض أن شوقي لم يكن موفّقًا في استعمال تعبير "وعادني" التي تعني زارني وأنا مريض، وأنه كان من الأصوب أن يكتب "وعاد لي". لكنّ قراءة أخرى للبيت تجعل المرء يدرك أن شوقي كان بليغًا في اختيار المفردة، لأنّه جعل نفسه في القصيدة عليلًا.
أمّا المطرب العراقيّ الشهير ناظم الغزالي فاختار أبياتًا من قصيدة شوقي هذه، فلحّنها وغناها، واشتهرت بعنوان "شيّعتُ أحلامي". تحديدا اختار ستة من الأبيات العشرة الأولى. وبهذا الاختيار لم تعد أغنيته عن جارة الوادي، زحلة، بل عن العاشق المتقدّم في السنّ المتحسّر على هوًى جاءه ربّما بعد فوات الأوان "كلّ غاية لذّة بعد الشباب، عزيزة الإدراك". ومن الأبيات التي أنشدها الغزالي: "لم تبقَ منّا يا فؤاد بقية لـفـتـوة، أو فـضلة لعـِراكِ/ كنّا إذا صفقتَ نستبقُ الهوى، ونشدُّ شدَّ العصبة الـفـتّاك/ واليوم تبعث فيّ حين تهزني، ما يبعثُ الناقوسُ في النُسّاك". والبيت التالي في قصيدة شوقي الأصليّة هو الذي استهلّ به عبد الوهاب أغنيته "يا جارة الوادي...".
أغنية محمد عبد الوهاب ذاعت باسم "جارة الوادي"، وأغنية ناظم الغزالي عُرفت باسم "شيّعت أحلامي". والقصيدة بكاملها منشورة في ديوان "الشوقيّات" تحت عنوان "زحلة". ولم يكن شوقي يضع عناوين لقصائده. لذلك فالعنوان الذي نشره حليم دموس "رواية الزمان" مستوحى من القصيدة، وتحديدًا من بيتها الختامي.
في الأبيات الأخيرة من قصيدة شوقي يتذكّر أمير الشعراء اللقاء الأول الذي جمعه سنة 1925 بنخبة من أدباء زحلة. قال: " رَكَز البيانُ على ذُراك لواءه/ ومشى ملوكُ الشعر في مَغناك/ أدباؤك الزُّهرُ الشموسُ ولا أرى/ أرضا تَمَخَّضُ بالشموس سواك/ (موسى) ببابك في المكارم والعلى.. وعصاه من سحر البيان عصاك (...) أحللت شعري منك في عليا الذرى.. وجمعته برواية الأملاك". هكذا وردت هذه الأبيات في ديوان شوقي. لكن البيت الذي يشير إلى موسى نمور يجعله واقفا بباب المدينة؟ والصواب هو كما نشر حليم دموس "موسى نباتُك" أي نبتتك. كذلك الأمر المتعلق بـ "رواية الأملاك" والصواب: "برُواتِه الأملاك". فضلا عن ذلك نشر حليم دموس بيتا سقط في الديوان والقصيدة المنشورة في الصحف، وموقعه يلي البيت الذي أشاد بموسى نمور، وهو يشير إلى شبل دموس: "وإذا مشى المكروه نحوك لا مَشى.. ألفَيْتِ (شبلك) من وراء حماك ".
وكما أحبّ أحمد شوقي زحلة، بادلته المدينة الحب. بعد المهرجان الشعري عام 1971 الذي شارك فيه سعيد عقل وأحمد رامي ولميعة عباس عمارة بقصائد عن أمير الشعراء وزحلة، وحضره رئيس الحكومة صائب سلام ومحمـد عبد الوهاب والسيّدة نعمة الله رياض حفيدة أحمد شوقي، توجّه الجمع إلى مدخل الوادي، حيث أزيح الستار عن التمثال النصفيّ، وتحته نقشٌ في الحجر لآخر بيتين من رائعة شوقي: "إن تكرمي يا زحلُ شعري، إنني أنكرت كلَّ قصيدة إلاّكِ/ أنت الخيال: بديعه وغريبه.. الله صاغك والزمان رَواكِ".
