طاحون المرداشيّة لغذاء الجسد والذهن
المعالم التراثيّة تهرم كالبشر. سوى أنّها تختلف عنهم في شيء: إنّها إذا تُركت إلى مصيرها مدّة، ولاح لها، بعدئذ، من يتدارك وضعها القابل للمعالجة والتأهيل، لخرجت من تحت مطرقة الزمن، لتعانق الحاضر، بأزهى ممّا كانت عليه، حين كانت في عزّ صباها. وذلك خلافًا للبشر الذين يسيرون، يومًا بعد يوم، إلى هرمهم غير القابل للتدارك، ومن ثمّ، إلى فنائهم الحتميّ. كلّما سارت العقارب إلى الأمام، ومر الوقت .
ينتاب المرء مثل هذا الشعور متى قاده القصد، أو قادته المصادفة، للوقوف أمام طاحون المرداشيّة، الكائن في المتنزّه الشهير في زغرتا، وفي منطقة كفردلاقوس العقاريّة، على وجه التحديد، لاحتلاله حيّز هامّ من المشهد الذي تطغى عليه أشجار الدلب الدهريّة، المظلّلة لمياه نهر رشعين الدائم التدفّق، ولمطعمين مجتذبين، على مدار الفصول، للزبائن الذي يستطيبون أكل الكبّة، والتهام الفراريج المشويّة، في كنف "الماء والخضراء". فيما آل ثالثهما، على الضفاف المقابلة، إلى الإقفال، والإهمال. مع أنّه أكثرها قدمًا، والوحيد الذي واكب شمس القرن التاسع عشر وهي توشك على المغيب .
فبمجرّد أن تركّز بؤرة انتباهك على طاحون المرداشيّة المُضفي على كامل المشهد مزيدًا من الرونق، ومسحة من العتق، والصارخة حجاره بهيبة الزمن، ووقار التاريخ غير المحتاج إلى عصا كي يستدلّ على قِدمه. غير أنّه قِدم لاقى، عام ٢٠٠٤، من يوجّه عنايته إليه، بعدما كان قد انتهى إلى غالب ما انتهت إليه الطواحين المائيّة في لبنان التي أخرجها الاعتماد على الكهرباء، في المطاحن الكبرى، من روزنامة الحياة القرويّة، ونظامها الغذائيّ .
لكن طاحون المرداشيّة الرابض عند سفح التلّة المتوّجة الهامة بالدير الأنطونيّ المعروف بـ" دير مار سركيس الضهر" ، قُدّر له، عام ٢٠٠٤، من بين سائر الطواحين المتناثرة على امتداد مجرى النهر، أن يلاقي من يلتفت إلى بنيانه الجميل بشخص السيد قبلان أنطوان يمّين، ومباركة رئيس الدير الذي تعود إليه ملكيّته الأب نادر نادر. فتعهّده بالعناية التأهيليّة اللازمة. وقد اندرجت ورشة التأهيل تلك ضمن إطار يوبيل الدير المذكور الخمسينيّ بعد المئة ، ولمرور مئة عام على انتقال ملكيّة الطاحون من ورثة أسعد بك كرم إلى الرهبنة (سنة ١٩٠٤)، على عهد الأب يوحنا طيون، بمبلغ مئتي ألف قرش. والهدف كان تحويله إلى مركز ثقافيّ، تحت اسم "ضفاف"، إعلاءً لشأن الفكر، ونشرًا للمعرفة والثقافة، وخلقًا لحيّز من التفاعل البنّاء .
وقد راحت مطحنة المرداشيّة، عامذاك، وبعد طول عهد بمدّها أفران الخبز البلديّ، والبيوت، بما كانت تحتاج إليه من طحين، وبرغل، وقمح، تمدّ التائقين إلى خبز الثقافة الطيّب، والمقمر، بعنوان جديد، تراثيّ النكهة، وبتجربة كان من الممكن أن يمتد عمرها لولا استشهاد الرئيس رفيق الحريري في ١٤ شباط ٢٠٠٥، وما أعقب ذلك من تداعيات، وشروخ .
من غذاء الذهن هذا الذي لم يطل أوانه، عاد الطاحون مجدّدًا إلى سيرته السابقة في غذاء الجسد. ففتح بوّابته لغير مطعم، تساووا جميعًا، بقصر أعمارهم، قبل أن تعود بوّابته، هذا العام، إلى الإغلاق .
سوى أنّ هذا الطاحون الذي كان أساسًا ملكًا لآل كرامي، وانتقل بالشراء إلى أسعد بك كرم، سنة ١٨٧٥، كان، في جميع أطواره، ولم يزل إلى الآن، هدفًا للعدسات النهمة، ولفرش الرسامين التشكيليّين الذين يسلّمون بكونه أجمل ما في جواره من طواحين، بقناطره وفتحاته وتجاعيده المختزلة للتاريخ، والمختزنة لحكايا البركة في أيّام القلّة .








