الطالبيّة الأنطونيّة (١٩٣٩- ٢٠١٨) كتاب للذاكرة اكثر منه للتاريخ

الطالبيّة الأنطونيّة (١٩٣٩- ٢٠١٨) كتاب للذاكرة اكثر منه للتاريخ

غلاف الكتاب

هذه ليست المرة الأولى التي أسنّ فيها قلمي لتناول كتاب طازج الصدور للمؤرّخ الأب شربل أبي خليل الأنطونيّ. وأرجو أن لا تكون الأخيرة. ما دمنا كلانا في عافية، صحة وإنتاجًا. فهو دائم الاندفاع لمسح غبار الماضي عمّا انطوى من مواضيع، وشؤون، وشخصيّات، دينيّة الطابع، بعامّة، ورهبانيّة، بصفة خاصّة. وأنا موصول الاهتمام بما يدفعه هو إلى دائرة الضوء، وقتًا فآخر، بحكم كتاباتي، ومراجعاتي للكتب الصادرة حديثًا.

ويعود هذا التفاعل الثقافيّ بنشأته إلى السنوات التي أمضاها بيننا في دير مار سركيس وباخوس في إهدن ، وكفردلاقوس - زغرتا، في التسعينيّات. حين كان على مدّ ذراع منّا. والتفاعل مستمر لتاريخه، برغم تنقّله بين الأديرة، عملًا بالقوانين الرهبانيّة، ومقتضياتها. وكنت كلّما أطلّ مؤلف جديد من مؤلّفاته التي بلغت حتّى الآن ٢٤ عنوانًا، أستدل من مقاربته التاريخيّة بعد الأخرى، على المكان الذي حطّ فيه رحالًا، وفاتني العلم به. أي على "اللوكايشن" ، بحسب التطبيق المعمول به على الهواتف الخلويّة.

فالدير الذي يحلّ على الرحب والسعة فيه، يفتح له باب فضوله العلميّ، درفة بعد الدرفة، فينبري مؤرّخًا لما لم يؤرّخ له من قبل. فلا يغادر ناحية من النواحي التي استقر فيها حينًا، إلّا وقد غنمت منه بما يزيدنا علمًا بماضيها، وسِير رجالاتها، وتواريخ صروحها، من خلال أبحاثه الموثّقة، والدقيقة.
 وآخر ما وردني من بريده التأليفيّ كتاب: "الطالبيّة الأنطونيّة" ( ١٩٣٩- ٢٠١٨ ) الذي جاء في ٢٩٦ صفحة (قياس ٢٤× ١٧ سنتم )، مطبوعًا على مطابع دكّاش. مهدى من واضعه إلى إخوته الرهبان المولودين من رحم الطالبيّة الأنطونيّة، وبخاصة الذين عبروا منهم إلى رحاب الملكوت.

وقد شاءه الأب شربل، على ما أومأ إليه مقدّمًا كتاب ذاكرة أكثر منه كتاب تاريخ. سوى أنّ ذلك لا يلغي البتة مقدار ما أضافه من معرفة، بما تدفّق به من معلومات، وتشتمل عليه من جداول، وتقارير، وأسماء. من دير مار أشعيا- برمانا حيث بزغ فجر الطالبيّة عام ١٩٣٩، قبل أن تنقل إلى دير مار أنطونيوس الكبير في الحدت، حيث نالت نصيبها من الحرب، لغاية سنة ٢٠١٨. ليبلغ عدد آخذي العلم على مقاعدها ١٤٤٠ طالبًا، ثبت منهم في الرهبانيّة الأنطونيّة ٨٩ طالبًا. أي ما نسبته ٢،٦ من مجموع الطلاب.

والطالبيّة، تعريفًا، هي المدرسة الرسوليّة لطالبي الرهبنة الأنطونيّة (ص. ٢٥٣) الغاية منها هي التثبّت من مدى إخلاص الطالب ونواياه الصالحة لاحتمال أعباء الرهبانيّة ، وبالتالي يجب أن يكون نظام الطالبيّة مؤهِبًا لاحتمال نظام الابتداء والسير فيه دون عناء ( ص. ٧٢- ٧٣ ).
 وقد كان لفئات الناشئة الأنطونيّة قوانينها الصارمة سواء في الكنيسة، أو المواجهة، أو المراسلة، أو كان في اللعب، والصفّ، والدرس، والنوم، أم في الزيارات، والمعاطيات، والمائدة. فلا يخرج، على سبيل المثال أحد من المدرسة من دون ثوبه الرهبانيّ المعروف بالمشلح، ولو كان مكان الزيارة لا يتجاوز مائة متر (ص. ٧٧ ).
 ولأخذ فكرة عن مقدار المساهمة التي كان يتعيّن على الوالد تقديمها للدير، وتسديدها عن ولده، فقد كانت خمسة عشر ألف ليرة خلال العام الدراسي ١٩٨٧- ١٩٨٨).

علما بأن الأب شربل كان قد استند في عمله الأخير هذا الذي قدّم له الطالب السابق جوزف بو رعد ( أب عام أنطونيّ) إلى محفوظات مكتبة دير مار أنطونيوس الكبير في الحدت - بعبدا ، وما تركه المسؤولون المتعاقبون على إدارة الطالبيّة. كما قلب ما احتوته أعداد مجلّة "السراج" المحتجبة (١٩٧٣). وهي واحدة من خمس مجلات أنطونيّة تعاقبت على رؤية النور بعد "كوكب البرية" ( ١٩٠٥) ،"الميدان" (١٩٥٣) ، "صدى المعهد" (١٩٦٠) ، و"حياتنا الأنطونيّة" (١٩٦٥). فضلًا عن مجلّة مطبوعة على الجلاتين بخطّ اليد أصدرها الأب نعمة الله سعاده، سنة ١٩٤٧، في دير مار اشعيا - برمانا. كما استند إلى اللوائح السنويّة لأسماء الطلاب، مع صورهم الشخصيّة، والصور الملتقطة لمناسباتهم وأنشطتهم المختلفة.

وقد أدرج الأب شربل معلوماته عن الطالبيّة في أربعة فصول مهّد لها بلمحة عن الديرين المحتضنين لها. وأراده شهادة على تجربتها، وعلى تجربته هو فيها، لتوليه المسؤولية وعن رعاية طلابها في العام الدراسيّ ١٩٨٥- ١٩٨٦، بالتعاون مع الأبوين جورج معتوق، وشربل غانم، وبخاصة الثانويّين منهم. مع إمكانية الأخذ بأي عمل آخر رسوليّ، ثقافيّ، وفنيّ (ص. ١٦٩- ١٧٠) . فلم يقصّر في تهيئة المدعويين للانخراط في الحياة الرهبانية. ولا قصّر في ترك الشواهد الفنيّة بحفره للإيقونات الدينيّة على الخشب (ص. ١٧١) والمحقّقة بالقماش اللاصق على سجادة (في الحدت- بعبدا) ، وبما نحته على الحجر في ديري إهدن وزغرتا. ثمّ في حثه الطلاب على المشاركة في تمثيل مسرحية غنائية: "الدعوة الرهبانية " (ص. ١٧٣- ١٧٦) التي أندفع لكتابة نصّها، وتلحينها، وإخراجها، مقتفيًا بذلك أثر الأب مخائيل معوض الذي سبقه بسبب فارق العمر، إلى الرهبنة الأنطونية، وإلى الكتابة المسرحية. 

والخلاصة، إنّ عمل الأب شربل أبي خليل، في تتبعه الحثيث لتجربة الطالبيّة، في طوريها، يشكّل إضافة معرفية لجانب كان مغمورًا ويحتاج لمن يضيء عليه، هذا العمل يعتبر هدية إلى الذاكرة اللبنانية ككلّ، وليس إلى الرهبانية الأنطونية، بصورة حصريّة بمناسبة يوبيلها الـ٣٢٥، على نحو ما أشار إليه هو في مقدمته. هديّة تستمدّ قيمتها من أسبقيتها في بابها. ومن قلم الأب شربل السيّال على الورق، سيلان مياه دير مار سركيس - رأس النهر. حيث عاش مدّة، رفع الصلوات، وترك المؤرّخات.

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين