طاحون رشعين الشغال لليوم بمائه و" سعاده "
عندما بنى الأخ مارون البعبداتي ر. م. ل. (١٧٨٦ - ؟ ) مطحنة رشعين الشهيرة بطاحون العين، في قضاء زغرتا، لم يكن يخطر في ذهنه أنّ هذه المطحنة ستكون الطاحون المائيّ الوحيد الذي ستكتب له الحياة حتّى يومنا هذا . وذلك على لمتداد مجرى نهر رشعين، من منبعه في المحلة المعروفة بـ" الزريقة ". بدءًا من البلدة بالذات، مرورًا بكفردلاقوس وزغرتا فطرابلس. لحلول المولدات الكهربائية محل قوة المياه في طحن الغلال، وإنتاج الطحين، وصنع البرغل. وامّحاء كلّ آليّة طواحين الماء التي كانت متّبعة فيما مضى، بما تنطوي عليه من عناء ومشقّة، من روزنامة القرية اللبنانيّة. من القناة التي كانت تقام في موضع يصلح علوه لتساقط المياه من "الشيب" على الفراش الذي يتحرّك بفعل نصباب المياه عليه، إلى العمود الذي يحرّك الرحى، فحجري الطحن التحتاني والفوقاني، والدالية، والكور، واللوح الخشبيّ الذي يمنع الماء من تدوير الفراش، فجورة الطاحون التي يقع فيها الطحين قبل جمعه في أكياس. إلى ما هنالك ممّا تناوله بالشرح والرسومات أنيس فريحة في كتابه: "القرية اللبنانيّة حضارة في طريق الزوال" .
لكنّ طاحون العين في رشعين نجح، حتّى الآن، في السير بعكس التيّار العام، وهو التيّار الغالب، القائم على مبدأ الجهد الأقلّ بالاعتماد على مطاحن الكهرباء. وصمد. وحجّة الذين لا يزالون يقصدونه، طوال شهرين من أشهر الصيف، خلال تحضيرهم لمؤونة الشتاء، أنّ طعمة الحجر، ونكهة دقيقه، أطيب بما لا يقاس ممّا ينتجه الحديد، ويفسده المازوت. وهم يؤمّونه إمّا من رشعين، أو من زغرتا، عاصمة الكبّة، أو من مرياطة، أو من ديرنبوح، أو من طاران في الضنية. تمسّكًا منهم بما يصلح لمعاجنهم من طحين، ولكبّتهم من برغل، ولسائر المأكولات اللبنانية التي يشكّل البرغل مكوّنًا أساسيًّا من مكوّناتها .
طاحون العين تعود ملكيّته إلى الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة. وقد ارتبط اسم بانيه الأب مارون البعبداتي المار ذكره بأملاك دير قزحيا الواسعة في الزاوية لإدارتها دفّتها نحو أربعين عامًا، على ما أورده الأب يوسف ابراهيم الحوراني الحصروني في مؤلفه: "تاريخ أديار معاملة الجبّة " ، فضلًا عن بناء البعبداتي بيوًتا لسكن الشركاء تحتفظ، لتاريخه، بكامل ملامح بنائها التراثيّة الطابع .
أمّا آخر من يعود إليهم الفضل في تدبير شؤونه إنطانيوس إبراهيم الدرجاني، إبراهيم الدرجاني، بدوي البركندي، ويوسف حنا النشمه (والد سعاد حاملة مفاتيحه الحاليّة) الذي تولّاه منذ العام ١٩٤٨ حتّى وفاته العام ١٩٩١. ولكانت زوجته مدّت له يد العون في عمله أكثر لو لم يكن عمرها قصيرًا ، وتوافيها المنية سنة ١٩٧٣. ومذ ذاك وابنتهما سعاد، بما تتمتّع به من اندفاع، وتفان، تنوب منابهما في إدارة الطاحون، وتدبير أموره. لها الكلمة الفصل في ضبط أدوار الوافدين، ومواكبة الطحن، فوج قمح بعد الفوج، وتعبئة الأكياس بأحمال البركة، وكفاف الأيّام من الخبز، وأكداس البرغل التي تشقّ طريقها إلى الأجران، والبطون .
يوم المطحنة المضني، إنّما الجميل، الذي توارى في طيّات الماضي، إلّا من بعضه الأقلّ، ما يزال ماثلًا للعيا ، بكامل فولكلوره، في مطحنة العين في رشعين. تصونه، منذ عقود، سعاد النشمه، وتسهر على راحة الذين تبيضّ ثيابهم وهم يعيشونه، بتفاصيله ومواويله وهديره. وعلى حماية مبناه الذي تهدّم مرات قبل أن يحمى بعدما وضع الأخ مارون ذخيرة الصليب المقدّس، وتحتفظ جدرانه الداخليّة بالشحتار الناجم عن وسائل التدفئة والإنارة القديمة. وأبناء بلدتها، وناحيتها، يقرّون بإخلاصها وبفائض حيويّتها في أداء دورها، ليس في المطحنة فحسب، بل في خدمة رعيّتها (كوكيلة وقف وأمينة صندوق)، ومجتمعها (كاريتاس)، بما قلّدوه إيّاها من دروع تقديريّة. وقد عبّر إبن كاهن الرعيّة الخوري جو رزق الله ، وهو في زهاء العشر، عمّا هو فوق الوصف من حضورها في بيئتها، بردّه عما يصلح للتصوير في رشعين، حين طرح عليه الإعلاميّ إيلي أحوش، من فريق أعداد البرنامج التلفزيونيّ المعروف : "ع الوادي" ، وأجاب، بروحه الطفولية المحببة: "كنيسة مار يوحنا، طاحون العين، سعاد، وبيت سعاد " الذي هو جزء من بيوت الشركاء .
ولولا اللجوء إلى الباطون، بدلًا من الحجر، لإعادة بناء ما هدّمته هزّة أرضيّة حصلت في الربع الأوّل من القرن العشرين، لكان الطاحون أكثر جاذبيّة اليوم، تقول سعاد، ولحافظ على كامل هندامه التراثيّ .








