إشراقة فرح

إشراقة فرح

قادتني زيارة غير مسبوقة بموعد متفق عليه هاتفيا، لصديق يقيم في ناحية جميلة، وهادئة، ضائعة بين حقول الزيتون والمراعي، في الطقس الشامس، إلى الشعور بإشراقة فرح. إشراقة من النوع المبدّد لما يتكدّس من غيوم داخلي. فوعدت نفسي بالعودة لتأمّل الحصائر التي مدّها العشب، خضراء فاهية، بين أصول الزيتون، وقرب أشجار الملّول التي يتأخر اصفرار أوراقها، كي أشمّ رائحة الأرض الموحلة .

خاطفة أكثر ممّا توقّعت كانت زيارتي لمصادفتها في وقت غير مناسب. ما جعلنا نؤجّل قهوة المودّة إلى وقت لاحق .

ركنت سيارتي على حافة الطريق. نزلت منها لأكتشف مبلغ السحر والسكينة، ومقدار الشاعريّة المنتشرة وراء اعتيادية المشهد. وهج شمس. والشعور بتجدّد الدفء النسبيّ سرعان ما أعاد إلى ذهني المثل السائر بأنّ شباط عند العرب ربيع. أغاريد طيور. قطعان ماعز سارحة في مراعيها. أبقار عائدة إلى حظائرها. وزهور بدأ التراب يخرجها من عبّه. لا يضلّ النحل سبيله إليها. "بودلير" كان يقول إنّ الشاعر يفهم لغة الزهور. لكنّني أعتقد أن كلّ من يعطون الزهور، وهي تحت الشمس الساطعة، فرصة كي تشربها العيون، بوسعهم أن يفهموا هذه اللغة. دغدغات نسيم كفيلة بامتصاص الهموم. سيارة تمرّ، حينًا فآخر. ومع أنّني لم أبتعد إلّا قليلًا عن الإسفلت، تجنّبًا للوحول، ولبقايا مياه الأمطار المتجمّعة، فقد شعرت بأنّني أدخل في حالة توحّد مع الطبيعة، ونباتاتها النديّة، وأنّ الوقت الذي يمرّ وأنا أجوب دروبها الترابيّة، واطئًا عشبها، يتلوّن في تشوّقه إلى الربيع الذي على الأبواب. مع أنّ أحدًا منا لم يتخفّف بعد من ثياب الشتاء التي لن تُعاد إلى الخزانة قبل مرور أسابيع .

لكنّه الإحساس باستقبال بشائر الربيع الذي يجعل النشوة الجماليّة تسري في عروقنا .

أتطلّع إلى كلّ ما حولي بفضول وذهول. حاسدًا السيّدة التي تبادلت وإيّاها التحيّة قبل قليل لتمكّنها من اقتطاع حيّز من نهارها للمشي أكثر مني، بصحبة خادمتها الإفريقيّة، متسلّحة بعصا حديديّة، في حال اعترض سبيلها كلب مسعور، في بقعة تتعدّد فيها الكلاب، إمّا لحراسة قطعان المواشي، أو لحراسة الفيلّات التي تلاحق عمارها في جنباتها .

 

أتابع تقدمي . فيحزنني مرأى البيت الذي يعلو التلّة لأنّ الموت أخلاه ممّن كانا يسكنانه، ولم يرزقا أولادًا. فراشات تحوم. براعم تتهيّأ للتفتّق. أوراق شجر الكينا خليط من اخضرار الربيع المقبل والخريف المدبر، وكأنّها تسعى للتفرّد بخاصيّة نادرة .

ماذا سيكون مصير هذه الأرض المخضلّة التي طفرت إليها بعد زيارتي المتعثّرة، المعلّقة حتى إشعار آخر؟ وماذا سيكون مصير الوطن ككل في ظلّ كلّ هذه المتغيّرات، والتحوّلات، التي تأمل أن تسكن رياحها عما قريب. هذا ما لا تستطيع أن تطرده من تفكيرك إلّا بصعوبة بالغة  

لكنّ حسبي أنّني اغترفت على مرمى حجر من بيتي، أو يكاد، ربيعًا قبل حلوله الفعليّ، وإيقاظه للطبيعة من سباتها. ولو كانت الغيوم المهفهفة البياض، المتكدّسة في الأفق تصفعك بحقيقة أنّ الشتاء لم ينتهِ بعد .

حسبي إشراقة فرح .

 

 

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين