قصر آل الخازن في زغرتا المتوجّع إهمالًا
عندما أطلقنا، عام ١٩٩٧، صرخة استغاثة واستنجاد، نقلتها إلى القراء جريدة " النهار" في ٢٩ نيسان منه، نِبنا فيها عن حجار قصر آل الخازن الكائن في أعلى التلّة المسمّاة باسم المشايخ آل الخازن الذين كانوا أوّل من فكر بالسكن في تلك الجهة النائية، الجميلة، والمشرفة، سرى في ظننا أنّ الصرخة قد تلاقي صدى، وتحرّك اهتمام المعنيّين المتنازعين على هذا الإرث المعماريّ المهدّد بالتداعي، والتلاشي. لكن ظنّنا لم يكن في محله، وإن جاء على طريقة أنه على الديك أن يصيح، لا أن يطلع الفجر .
وها نحن نعيد الكرة الآن، لأنّ مدّ يد العون لهذا القصر اليوم، لم يزل ممكنًا، بعدما تمادى الخراب في العبث فيه. اليوم أفضل منه غدًا. لأنه إذا ترك الحبل على الغارب، وأمعن الإهمال في دكّه أكثر مما فعل، بعد تكسّر قرميده، وتخلّع شبابيكه، و" تختخة " خشبه القطرانيّ، وارتخاء ركاب ومفاصل بنيته الحجريّة، واستمرار تدفّق مياه الأمطار إلى داخله، لما بقي ما يخبر عنه سوى الصور، وحكايا العزّ المتناقلة. منذ مجيء الشيخ فندي الخازن من غوسطا إلى هذا الصوب من "متصرفية جبل لبنان"، إثر تعيينه مديرًا لناحية إهدن، واقترانه بإبنة الشيخ شاهين الضاهر. وكانت وحيدة أهلها. إنتهت إليها مساحات واسعة من الأملاك الضاهرية في مزرعة التلّة، وبقيّة أنحاء الزاوية .
وقد سكنا أولا في قريتها كفرياشيت. وهما ربما كانا لازماها لو لم يصل إلى مسمع الشيخ فندي قول أحد منتقديه: "من يريد أن يعمل جمّالًا عليه أن يعلّي باب الدار". وذلك بعدما تعذّر عليه استضافة أحد المسؤولين العثمانيّين في منزله، لضيق مساحته. ما ضطرّه، إكرامًا لوفادته، أن يستضيفه في أحد بيوت آل الضاهر. لو لم يبلغ هذا الكلام مسمعه لما اتّجه بفكره إلى التلّة الواقعة في جوار زغرتا، والآيلة إليه من زوجته. ولما ردّ على التحدّي بقصر، بدلًا من بيت متواضع، لا يصلح أن يكون مضافة لمن علا مقامهم وشأنهم، وازدانت صدورهم بالنياشين .
والمتناقَل عن الشيخ فندي أنه كان يعتزم بناء قصر يكون حديث الناس برونقه ومهابته ووسعه غير أنّ الموت عاجله سنة ١٨٦٨. فناب عنه في إكمال البناء ولداه الشيخان بربر الخازن، ميرالاي عسكر لبنان، لاحقًا، وسعيد .
والقصر الذي يصارع من أجل البقاء في هذه المرحلة يعتبر نصف المشروع الذي كان من المنويّ تنفيذه، والنيّة متجهة إلى المضي به قدمًا بعد وفاة الشيخ فندي المباغتة. لولا تدخّل أسعد بك كرم، نسيب العائلة، في الوقت المناسب، وإسدائهم النصح بعدم تكبّد المزيد من النفقات والمصاريف لبناء في قلب البريّة، بين الواوية .
وبالفعل، مع أنّ البناء المنجز جاء أقلّ ممّا ارتسم في حلم الشيخ فندي، فقد لاح، وقتذاك، كجوهرة معماريّة لبنانيّة ، في هاتيك الناحية، حين الفراغ من عماره، سنة ١٨٨٧، بطبقتيه الأرضيّة والعلويّة (بمساحة ٤٠٠ متر لكلّ منهما) ، فإنّ التمدّد العمرانيّ لم يقترب منه حتّى ثمانينيّات القرن العشرين. إنّما ليس إلى الحدّ الذي يفقده مقدار ذرّة من مميّزاته البانوراميّة. لتعقبه في البناء بيوت الشركاء، وكنيسة مار تادروس، ومن ثمّ في الظهور، حظائر المواشي. وفي وقت قريب زمنيًّا، أنشئت فيلّا حفيده الشيخ فؤاد رشيد الخازن، وسط المساحات الواسعة المشجّرة زيتونًا .
وحاليًّا، ما لم يتحطّم بعد، أو يتخلّع، من هذا القصر، يستغيث اليوم، على أمل أن يُعطى فرصة أطول للبقاء. ليبقى شاهدًا على فنّ العمار اللبنانيّ الأخّاذ المتغاوي بطربوشه الأحمر، وحجره الداخليّ السمّاقيّ الزهريّ المصقول، وجفصين سقفه الخشبيّ، ومناوره الملوّنة الزجاج، ودهانه المسترعي حتّى الساعة للانتباه، رغم بهتانه، بفعل مرور الزمن، وغزو العشب غير المحتاج إلى إذن مرور ليشتغل شغله .
فهل من يعير أذنًا صاغية، ويلبّي نداء هذا الجمال المعماريّ المهدّد بالزوال التدريجيّ قبل اضمحلاله؟
أم يتجدد ضياع الصرخة لما لا يُحصى من أسباب؟








