أنطوان إسكندر : رسام يوم الأحد سابقا، له كامل الأسبوع الآن

أنطوان إسكندر : رسام يوم الأحد سابقا، له كامل الأسبوع الآن

المهندس انطوان اسكندر

إذا كانت الخطوط والألوان قد أخذت أنطوان إسكندر، ذات يوم، إلى الهندسة المعماريّة، كباب للرزق طرقه في نحو ألف مشروع سكنيّ وتجاريّ وسياحيّ، خلال عمله على امتداد ما يفوق الأربعين عامًا، في شركتيه الكائنتين في أبو ظبي (العمارة الشرقيّة أوّلًا ١٩٧٦ - ١٩٩٠ ثم الميدان ١٩٩٠-٢٠١٨ ). قسم واسع منها نفّذ، وتصعد في فضاء الامارة المذكورة، وقسم آخر بقي أسير ورق التصاميم. وإذا كانت مسيرته قد تعاقبت فصولًا ، ومحطّات، بنجاح على هذا النحو، فمن الطبيعيّ أن يعود، بعد تقاعده، إلى الارتماء مجدّدًا في أحضان الخطوط والألوان. ليس لما تحمله في ذاتها، إنّما لما يحمله هو من هوى في نفسه. فهي كانت أوّل ما اعتمل داخل مصهرها. وإليها كان متّجهًا بعد تحرّره من أغلال السعي المهنيّ الدؤوب. علمًا بأنّ هذا السعي لم يبعده تمامًا، في وقت من أوقاته، لا عن الريشة، ولا عن القلم الذي سال حبره، منذ مقتبله، في المجاري الشعريّة والنثريّة، التي بلغت، في الخليج، مرحلة أكثر نضجًا واختمارًا، تشابك، في غضونها، النشاط الخلّاق ، والفكر، والشعور المتفرّد الخاصّ بصاحبه. فكانت أسرته تصفه برسّام يوم الأحد، لملاقاته هذا الجانب الأساسيّ في تكوينه، في يوم عطلته. وكان دائم الحضور على منبر المجمع الثقافي في أبو ظبي، وفي أوساط فرع اتّحاد الكتّاب والأدباء فيها .

 وقد مهّد بعودته الدائمة إلى لبنان ببناء دارتين جميلتين في زغرتا وإهدن، أحاطهما بحديقتين فسيحتين فضّاحتين لتعلقه بالأرض الموروث جينيًّا من والدين، كلاهما من آل إسكندر المعروف عنهم عمق تجذّرهم فيها، جبلًا وساحلًا. وراح ، مذ ذاك ، ينصرف إلى الرسم ، بوصلته الأساسيّة، ونجمة قطبه. مبعدًا عنه الكسل الروحيّ. ماضيًا في صيغة جماليّة مفعمة بالحرارة، والانفعال. يبدو معها أنطوان شاعرًا وهو يرسم الطبيعة المحيطة به، بألوانها وأنوارها، ومهندسًا معماريًّا، حين تتلاقى الحروف في لوحاته الحروفيّة، وتتجانب، وتتلاصق، وتتداخل، وتتحاب، متشكّلة في مساحات تحمل جمالاتها. دون أن يفوته التعبير عن اختلاجاته الوجدانيّة، عبر ما تبوح به ريشته، وفِرشاته، للورق، من بورتريهات للوجوه الحبيبة. ليرتفع، بصنيع بعد الصنيع، إلى غبطة روحيّة وفكريّة لا يعرفها إلّا من خبرها، وتذوّقها بما توقظه فيه من أحاسيس .

كان أنطوان إسكندر في العاشرة عندما تركه والده في عهدة جدّه وهاجر إلى فنزويلا. فكانت الباخرة التي أقلّته من مرفأ بيروت أوّل ما رسمه. وكان وجه أبيه هو التالي. فقال له جده، حين وقع نظره على الرسم، كم يشبه هذا الرسم وجه ابني. فأدرك أنطوان للحال أنّه أعطي له أن يخلق، وينتج، ويبدع، ما لم يعطَ لأيّما كان . 

وقد اخذت ذائقته الفنيّة الفتية تتفتّح وهو على مقاعد الدراسة في معهد الآباء الكرمليّين، في طرابلس. حين راحت الدهشة تدور عينيه وهو يراقب بشغف خطوط الفنّانين أديب نشابة، برهان كبارة، ومحمد العبد. فوثبت إلى ذهنه فكرة استيحاء الحرف العربي في العمل الفنيّ. وأكملت المؤثّرات فعل فعلها على يد الفنان أسعد رنّو، في المعهد الأنطونيّ في بعبدا. ثم في معهدَي الألبا (الكسي بطرس) ، والفنون الجميلة في الجامعة اللبنانيّة. حيث  وضعه تخصّصه على احتكاك مع الفنّانين منير نجم، زافين هاديشيان، بول غيراغوسيان، حليم الحاج وكامل البابا. فراح يشبع عطشه للتعبير، والإبداع، بالرسم الذي ليس وقفًا على القماشة والورقة، بل يتمّ، وبكثير من الجماليّة أيضًا، على البورسلين، والجفصين، والفخّار، وسواها من الوسائط .

 في العام ١٩٦٢ ، سيشارك في أوّل معرض تشكيليّ جماعيّ، في القصر البلديّ، في إهدن. وسيمرّ وقت قبل أن تعود أعماله إلى الظهور، جنبًا إلى جنب أعمال أخرى، في متحف بسّام فريحة في أبو ظبي، ومعرض إيسكايب في بيروت، ونقابة المهندسين في طرابلس. لينفرد، بعدئذ، بمعرض خاصّ في مبنى الكبرى الأثري في إهدن، عام ٢٠١٩ .

 ويواصل أنطوان، في أيّامنا هذه، استرعاء انتباهنا، وإثارة دهشتنا يلوحاته ذات المقاسات المختلفة، وبالأدوات التقنيّة المتنوّعة. فيستعير منّا أسماءنا، ويردّها لوحات حروفيّة، تتشابك فيها حروف الأبجديّة، وتتراصف، وتتراكب، وتتكرّر، في عمارة بصريّة ورقيّة، تلو العمارة، بالخطّ الديوانيّ . كأنّما استجابة لنزعته المعمارية المتأصّلة. فيصوغ ما يبنيه إمّا بالحبر الصينيّ صرفًا، أو مخالطًا بالألوان، بعد تأكّده من قابليته التشكيليّة. سالكًا، في ما يبدعه، مسارًا سبقه إليه في لبنان، فضلًا عن الفنانين المارّ ذكرهم : كلّ من منير نجم، وجيه نحلة، سلوى روضة شقير، سعيد أ. عقل، عادل الصغير، حسين ماضي ورفيق شرف . كما سلكه فنّانون غربيّون، أخصّهم بالذكر بول كليه .

وبإسترساله في الرسم ، يعزّز منزلا أنطوان الجبليّ، والساحليّ الذي يمنحه حريّة أوسع في العمل الفنيّ، من افتتانه بالطبيعة، وبالأشجار وهي تجوب دورة الفصول، وبالورود المشكّلة بهجة للنظر التلقائيّ، سواء وهي في ترابها بين العشب والنبات، أو وهي تلوح من قلب أعمال أنطوان نافخة فيها الروح .

وبعد، فبتمدد الرسم على كامل أسبوع أنطوان، يبدو كمن لاقى متنفّسه الدائم، أو كمن يكمل حوارًا قديمًا مع كلّ ما هو جميل من حوله .

جده لوالدته جميل اسكندر
 

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين