إيلي مخلوف تجربة تواصل تنفسّها في الألوان

إيلي مخلوف تجربة تواصل تنفسّها في الألوان

خلف مركز ميلاد الغزال معوض الثقافي والرياضي، في زغرت ، يقع بيت الفنان إيلي مخلوف المتّصل، عبر درج داخليّ، بطابق سفليّ مرصود لمرسمه الذي كان، حتى وقت قريب، يضجّ بحركة تعليمه الرسم، زهاء الربع قرن (٢٠٠٠-٢٠٢٤) لطلاب تفرّقت، في ما بعد سبلهم ، وهم يواصلون تحصيلهم العلميّ، أو الفنيّ. حافظين لتلك المدرسة جميل طبعها لمرحلة عزيزة من مسارهم الدراسيّ، وسمتهم بميسمها، بعد طول تهذيب وتشذيب لقدراتهم. فتدلف إلى مشغله من واجهة زجاجية، مدهونة بالخشب الأخضر الفاهي، موّسعًا حدقتي عينيك ، داخلًا، وأنت تستطلع ما على رفوفه، قبل أن يلاقيك إيلي مصافحًا، ومرحبًا. لمرور وقت على زمالتنا في الإعلام المسموع .

محسن 4.jpg 29.37 KB

إيلي ممن يشتغلون بصمت. ويكثرون من التأمل. ويؤثرون البعد عن الأضواء. وهو ممن يراجعون ، وقتًا فآخر ، عطاءهم ، سعيًا لتأكيد خصوصيّة تجربتهم الفنيّة، وإبراز خطوطها. وهو ، إلى مدرسته تلك التي احتضنها محترفه، كان قد تعاون مع الفنانين جميل غالب وبول خوام، على تأسيس مدرسة لتعليم الرسم، في منزل أولهّما، سرعان ما تركها لينصرف إلى مشاريعه الخاصة. فعمل في منتجع قرناعون السياحي، في البترون، عقدًا من الزمن، في تلوين حجار كانت مخصّصة كي تباع للأطفال .
محسن 1.jpg 153.98 KB

والعائد إلى بدايات شغفه بالرسم، سيتبين له أن إيلي ترك على مقاعده الدراسية، من بواكيره ما يثبت أن رحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى. قبل أن يرتدي ولعه طابعًا أكثر جديّة، بعد تلقيه، لنحو أسبوعين، تعليمات وشروحات من الفنان الراحل سايد يمين الذي وافاه الأجل قبل أعوام في جنيف، مع من تلقاها من الطلائع / فرسان العذراء في زغرتا . وقد شجعه بعدما توسم فيه خيرًا . لينتهي به الأمر ، بعدئذ ، في صفوف كلية الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية - الفرع الثالث . إختتمها بمشروع تخرّج دار حول جزء من " رؤية يوحنا "، بعمل سورياليّ، عاد وسلك طريقه إلى بلدية زغرتا- إهدن ، كهدية من الدكتور رياض عويضة، خلال ولاية رئيسها المهندس جورج يمين ( ١٩٩٨- ٢٠٠٤ ) .
محسن 6.jpg 51.16 KB

ثم راح إيلي يطلّ في معارض تشكيليّة جماعيّة على درج البويضة، في إهدن، وفي مبنى سراياها، وفي ثالث جال ما بين حديقة الصنائع، في بيروت ، وجلّ الديب، قبل أن يحطّ رحاله في إهدن. أتبعها بمعرضين فرديّين في أوتيلي أبشي، وبلمون. قبل أن تشرع رسومه، وزخارفه، تتسلق سقوف الدور والقصور، والجدران، والنوافذ، في كفرحبو، ومزيارة، ورشعين، فالرملة البيضاء، حيث تكاتف والفنانة فيرا الدويهي، في تنفيذ الأعمال الفنية، في مسكن أحد المشايخ السعوديين. ليعتلي، لاحقًا، سقالات الترميم في كنيستي سيدة لورد القديمة، في كفردلاوس - زغرتا ، ومار يوسف - ضهر العين ( في الكورة). دون أن يحرم منزله مما يزيّنه، كي لا تعيب عليه زوجته كوكو أن "مرت السكاف حفياني".
محسن 3.jpg 184.73 KB

يمزج إيلي مخلوف في إنتاجه الفني تأملاته بإحساسه، مركزًا على ما يقتضيه الفن الحديث، على النوعيّة اللونية، فيجدّ ويكدّ من أجل إبرازها. ولغته اللونية هي التي أكسبته فرادة عندما بدأ إهتمامه ينصبّ على إستلهام الأجواء الشعبية، أسوة بالعديد من الفنانين، معبرًا عن حبّه للبساطة، والعفوية، اللتين يتصف بهما ناسنا. فلم يكن الأول إلتفاتًا إلى مظاهر الحياة اليومية. لكنه رسمها برؤية جديدة، بأزهى ما يمكن للأكريليك أن يوصله، ويبسطه. وفي الأخص، وهو يقارب عالم الذين بلغوا من العمر عتيًا، وتجمعهم مقاعد الحديد، في باحة كنيسة مار يوحنا المعمدان، في زغرتا. تقصّد، من خلالها، إغراق ملامحهم في الغموض، والضبابية كيما يمثلوا في أعماله التي تعمّد فيها تشويش وضوحها كلّ المسنين المجايلين، المعانين من وحشة الشيخوخة. يلتقون متشاكين هموم صحّتهم والعمر. فيحرّكون، بإشارات أيديهم، اللوحات، وهم يسترجعون الذكريات، ويترحّمون على من مات .
محسن 5.jpg 195.2 KB

ولا تقلّ أسترعاء للإنتباه بورتريهاته للعامل، أو للعجوز منقيّة الحبوب، أو للطفلة. سواء زيتيّة كانت، أم مائيّة، كيفما تجلّت الملامح، وبانت النظرات. المهم أن يكون اللون ناضجًا. يقول الموضوع، ويقول الفنان، في آن. ما دام الفنان يعيش، ويتنفس في الألوان .
 
وببلوغه هذه المرحلة يبدو إيلي الآن كالآخذ إستراحة. إستراحة محارب. لكن الرسم أقوى منه، وهو لن يستطيع منه فكاكًا، بدليل إعداده العدّة لمجموعة لوحات ستكون مهداة لإبنتيه مارينا وإيليسا اللتين نقل إليهما " لوثة " الرسم، وبخاصة أولاهما، ولإبنه جورج .


 فالرسم أقوى من إيلي. والشعلة المتّقدة في الذات، لا ولن تستسلم بسهولة. وهي لن تخمد لا بنسمة، ولا حتى بإعصار. لكن الذي يخفّ، الحين بعد الحين، هو الإيقاع. إيقاع الإنتاج، والإبداع. يستمر، وإن بوتيرة أخف، لتأصّل جذوره في النفس .
 
 

 

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين