بول خوّام : نبض حداثة في عالم قديم

بول خوّام : نبض حداثة في عالم قديم

بول خوّام في محترفه

 كانت الشمس تقترب من وقت غروبها حين زرت مشغل الفنّان التشكيليّ بول خوام الكائن في حيّ "كرم التين"، في زغرتا، الذي لا بدّ أن يكون تستمدّ تسميته من كون هذا الصنف من الشجر كان، وما زال، يفرخ فيه، وينبثق، بدون استئذان.
 ومشغل بول يحتلّ الآن، في نطاقه، جانبًا من سطح بيته الوالديّ المطلّ على اخضرار واسع، يعلوه زيتون ملوّح على التلال، وجبل تربل، أقرب جبال ناحيتنا إلى البحر. وكُنْتُ أُؤْثر أن نحتسي قهوتنا على هذا السطح المشرف بالذات ، لأزيح قليلا معه الشعور بوطأة الحرب، بتسريح النظر إلى طراوة الربيع، متجليّة في البساتين المحيطة بمجرى نهر رشعين، وبما أورق، وما لم يورق بعد على الضفاف، والإنتشاء بفوح الليمون المزهر . لولا خشيتي من "حساسيّتي الموسميّة" جراء غبار الطلع. لكن ارتشافها داخل المشغل لم يقل متعة  لتيسيرها الدخول توًّا في صلب الهدف من الزيارة التي قادت خطاي إلى العنوان الملوّن بالإبداع، بكامل ما يحتويه من شواهد. يتراءى لك معها وكأنّك في بلاد أحلام زمن الكوابيس، فتزخر نفسك المبلبلة بالأخبار العاجلة، وضبابيّة التوقّعات، بالغبطة الروحيّة التي يغمرها بها الجمال التي تجد حالك في حضرته، وواقعًا في أسره المرغوب. 

لم أكن يومًا بعيدًا عمّا وقع بول تحت سحره من نتاج فناننا العظيم صليبا الدويهي، في فجر يقظته اللونيّة. مذ شكّلت جدارياته في الديمان، وزغرتا، موضوع  ديبلومه، في كلية الفنون الجميلة، في الجامعة اللبنانيّة - الفرع الثالث. لكنّني  لم أكن  أعلم أنّه كان تلقّى دفعة التشجيع الأولى من أستاذه، في ساعات الدرس الخصوصية، أنطوان الشالوحي، زميلي السابق في المرئي، والمسموع، إلى أن كان هذا الحديث الأخير الذي دار بيننا. 

ولا كنت بالبعيد أيضًا عن مشاركاته في المعارض الجماعيّة، وأخصّها "معرض الخريف"، في متحف سرسق، في بيروت. إنما كنت أريد له أن يزرع في عيوننا، أكثر ممّا زرعه في معرضيه الفرديّين في إهدن، وفي جامعة البلمند، في الكورة، ليمتزج أحمر القرميد بزرقة السماوات أكثر ممّا فعل، وليردّ عن بيوت الحيّ القديم، في زغرتا، الذي يملك عليه فؤاده، هجوم الكآبة المطبقة عليها. فتستعيد، ولو بالفنّ، بعضًا من بشاشة شبابها، وزهوة عهدها الأوّل.
 ولا كنت من الجاهلين لما وقع عليه اختيار الروائيّين والكتّاب والناشرين من أعماله أغلفة لكتبهم، كالروائيّ الراحل جبور الدويهي، والأب منصور لبكي، والكاتب والروائي جان هاشم، والناشرة الراحلة تيريز الدويهي حاتم (منشورات حاتم). ولا بأيّ من اللوحات كان قد زين كنيستي مار مارون، في زغرتا، وسيّدة الحصن، في إهدن . غير أنّ الفضول كان دافعي لمعرفة  أي مرحلة من المراحل بلغها خوام اليوم في مساره التشكيليّ. 

وقد لاحظت وأنا أقلّب بصري في جديده المناهز العشرين لوحة زيتيّة يبلغ أكبرها حجما المترين ونصف المتر طولًا ، والمتر ونصف المتر عرضًا، أنّ خيطًا يربط ماضيه بحاضره، وأنه لم يكسر مع القديم، في الوقت الذي يفتح فيه على أفق جديد، في اللوحة الواحدة. لكي يتوافق العنصران، ويكمل واحدهما الآخر، في العين الرائية، المتعطّشة للمناخ الذي يتنفسّه، منذ بداياته. ولتبدو أعماله نبض حداثة، في عالم قديم. فيؤطر المشهد الذي عوّدتنا عليه فرشاته بما درج عليه الصبية الذين يعبثون بحيطان الحيّ العتيق ط، بما يخلفونه عليها من كتابات تمليها عليهم تأثّراتهم بحاضرهم، أو رسوم بالطبشور تتحكّم فيها أمزجتهم، تزيد الشمس والمطر من حصيلتها السورياليّة. وتظهر بنتيجتها البيوت المتلاصقة، خدًّا إلى خدّ، وكأنّ النمش قد غزا واجهاتها، والأوشام قد دمغت بعضًا من أجسادها المتهالكة. فإذا لوّن بول المنازل البادية في لوحاته، فبالألوان التي كانوا يعتمدونها من قبل، كلون المغرة، والأزرق النيلي. معوّلًا على قوّة اللون، كأوّل ما يطبع في العين، وأوّل ما يقتنصه النظر قبل الشكل، والخطّ. نقلًا للواقع الطبيعيّ، مصحوبًا بما يحيط بمواضيعه من خربشات، وخلفيّات، معزّزة، بهذه المزواجة، لتفرّد صاحبها. فالأطفال إذا لاحوا فرادى فك"حنظلة" في كاريكاتورات ناجي العلي، أو مجتمعين، فكالأولاد الذين يقلقون الأحياء بعياطهم،  وتكاد أنت تسمع أصواتهم في لوحات بول خوّام، قبل وقوفهم جامدين، محدّقين، ومتفرّسين، مستأثرين بجزء من المشهد. فيما تبدو الخرتشات، والشعارات، المحتلّة لجوانب اللوحات، وكأنّها تعبت من لعب دور الخلفيّات ، باحتلالها لكامل العمل، أو لقسطه الأوفر. 

وكأنّي ببول يستعين بفرشاته لإبقاء ذاكرته حيّة بعده، متشابكة بالمكان الذي إليه التوق والحنين، وبالطرقات التي ألف رؤيتها، وبكلّ ما أولع به، ويتسرّب إليه من شقوق الذاكرة. فلا تكاد تتحرّك يد صغيرة بطبشورة على حائط مقلّش، حتّى تتحرّك في فرشاته شعرة، وفي مخيّلته الحوافز. ليرسم بحماسة اليوم الأوّل، واندفاع الشمس المتجدّدة الشروق. 

 

                 

 

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين