جريج أبو هارون في إلتقاطه للظاهر ودمجه بالمُتخيَّل

جريج أبو هارون في إلتقاطه للظاهر ودمجه  بالمُتخيَّل

تحت سقف المعلّم بدوي أبو هارون، في البيت الكائن على كتف محلّة "الجورة"، في زغرتا، وُلد مرسمان بدل الواحد، على يدَيّ نجلَيْه: جريج، ويوسف. يعلو واحدهما الآخر اليوم، في ظاهرةٍ فنيّة قلّما تتكرّر، وإن كان لكلّ منهما بصمة إنتماءٍ فنّيّة مُختلفة .

ويحتلّ مرسم أوّلهما المعنيّ بزيارتنا الحاليّة، أي جريج، ما كان غرفة الجلوس في أمسِ بيته الوالديّ، حيث كانت تستقرّ، مباشرةً خلف الحائط المُشاد حديثاً، ماكينة خياطة المعلّم بدوي، مع سائر المُستلزمات، ودرزات الحرفة، وقُطبها، لا تقف حائلاً دون تدفّقه بسرديّاته الوفيرة عمّا مضى. الأمر الذي يجعل جريج يتمسّك الآن بمشغله هذا، رغم ضيقه، لتقصُّدِه إبقاء الماضي في مِلئِه، بكامل حضوره، طيّات شعوره، وإحساسه، وهو يستغرق في عمله التشكيليّ، على وقعِ سُبحة صلوات والدته الماثلة في وجدانه، بعد إرتقائها ووالده إلى عليائهما .

ومع أنّ وقتاً لا يُستهان به مرَّ منذ مشاركته، في إهدن، عام ١٩٨٥، حتى الساعة، في "سوق الفنّ الأوّل"، فإنّ تجربة جريج أبو هارون الفنّيّة لم تترك الأعوام تذهب سُدى، قبل وخلال خدمته كإداريّ في قوى الأمن الداخليّ، ولا بعد تسريحه، في المرحلة التالية، حتّى تاريخه. وقد أسعفه على التمسّك بمختلف المُؤثّرات، والمُوحيات، بقاء الشارع الواقع فيه منزلهم بمعظم الملامح المُؤلّفة لإطار حياتهم اليوميّة. فإتّخذ من ريشته المُشبّعة بالزيت أداة ًحاول عن طريقها أن يُعبّر عن حبّه للأصالة التي تتّصف بها بيئته الخاصّة، وواقعه المحلّيّ، وعن رغبته في شدّنا إلى أشياء علينا أن لا ننساها .

 

وهو لم يكُفّ مذ ذاك عن تأكيد حضوره التشكيليّ، مُبتعداً عمّا سَبَق ورسمه لنفسه بدراسته للهندسة الداخليّة، في جامعة الروح القدس، في الكسليك. غير ناسٍ جميلَ المهندس سايد حنّا فنيانوس الذي دَعمه وشقيقه يوسف، بتقديم كلّ ما كانا يحتاجان إليه من مواد رسم وتلوين، من "مكتبة السلام"، مكتبة أخيه بطرس فنيانوس، طوال عامٍ بكامله. ولا تغيب عن باله توجيهات الفنّان التشكيليّ سايد أبو محرز، ونصائح وآراء الصحافيّ جورج طرابلسي في "الأنوار"، أثناء تلمّسه لدربه التشكيليّة والجماليّة .

وإفتتان جريج أبو هارون بالطبيعة لم يحجُب مُتابعته لمظاهر الحياة المألوفة، ولا حال دون مقاربته للبورتريهات، بحرفيّة عالية، أو دون تركه لبصماتٍ دينيّة وَرِعَة في الكنائس. من كنائس مار سمعان العموديّ، والطوباويّ البطريرك إسطفان الدويهيّ، ومار شربل، في أرده، والرحمة الإلهيّة في مدافن زغرتا، وصولاً إلى كنيسة مار شربل في نورث كارولينا، في الولايات المتّحدة الأميركيّة. لينتهي الآن إلى الرُسوّ، حتّى إشعارٍ آخر، على شخصيّة لوحة تقوم على تلاقي قوّتين: القدرة على تصويره للواقع، مع قوّة المُخيّلة. كما تقوم على تعانق الفعل البصريّ المَحض، وإيقاعه الداخليّ، لا بل مزاجه النفسيّ. في خلطةٍ مدروسة، ومُتوازنة، تسعى لِلَمسةٍ مُتميّزةٍ، عبر توزيع الإنتباه على أجزاء اللّوحة، وليس على جزءٍ منها، بقصد الحرص على وحدتها، وتماسُكها العضويّ. وذلك على نحوٍ تتلاصق معه، وبه، مظاهر الواقع، مع مساحات التجريد. وبفرشاة دسمة، مُشبّعة، تستعين بقطع حصى رفيعة مُتناثرة في مفاصل العمل، كأنّما لزيادة إحساس الناظر بالعافية اللونيّة. ففي لوحة المرأة العجوز المُسربلة بالأسود، على جاري العادة عندنا، المُمثّلة لكلّ نساء جيلها في ذهابها إلى الكنيسة، أو إيابها منها، وفي جرس الكنيسة الصامت الذي يترك لضجيج شعوره المُنتشر في الأزرق النيليّ بقيّة الحديث، مفردات لغةٍ تشكيليّة، واندفاعةٌ لما يُميّزه. تمتدّ إلى المنظر الطبيعيّ الذي يُريك الدنيا من جبل سيّدة الحصن، في إهدن، ولون السماء، والجبال، والغيوم، من خلال المدى، والهواء، وضوء الشمس، بألوان تبدو لرقّتها وشفافيّتها كالخيالات اللّونيّة المُتراقصة في عيون الطفليْن المُتطلّعيْن. 

 

ولا يُبارح زائر مرسم الفنّان جريج أبو هارون المكان بدون إرتشاف قهوة عقيلته بفنجان مزدان بلوحةٍ من أعمال الفنّان شارل خوري، نجّاريّة التسويق، مُلوّنة لسواد الجرعات، وقطعتَيْ "كايك"، خاليتَيْن من السكّر، لتقتصر الحلاوة على ما تشاهده العين، ويقتنصُه النظر .


اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين