سيرة اللون والنور في مسيرة طوني العلم

سيرة اللون  والنور في مسيرة طوني العلم

اعمال الفنان العلم

اللحظات التي تزور فيها مشغل الفنّان طوني العلم، في زغرتا، شرقي " جبل الرويس" المغطّى بأشجار الزيتون ، قريبًا من مفرق قريتي أصنون وقره باش، وكنيسة القديسة بربارة، ليس من الممكن أن تغيب عن الذاكرة. وأوّل ما يحرّك مشاعرك، قبل أعطافك وبلوغك إليه، الجو المشبع بشذا أشجار الملّول الوارفة الظل التي تخفق أوراقها، والخضرة الطريّة الزاهية. ثمّ تتابع تأثّراتك بكلّ ما يقع خلف الباب الحديديّ الكهربائيّ الحامي لمدخله، من أزهار وأشجار حديثة النمو، وأغراس، وأكداس حطب مصفوفة على المسطرة. وبولوجك مملكته اللونيّة يروح ما لا يحصى من تفاصيل، مألوفها والخارج عن المألوف، يخطف انتباهك قبل أن تمتّع نظرك برؤية نماذج ممّا أبدعه، وبوليمة الفرح التي تدعو نفسك إليها. الكتب المبسوطة على طاولة، أو التي على الرفوف. جذع ساحر لشجرة لزّاب. قناني المشروب التي يلفتك بينها نبيذ البرتقال الفرنسيّ الصنع، أسوة بالزجاج المنفوخ المستورد من هناك، من سان غوبان، والمعدّ للصهر في الفرن بدرجات حرارة عالية. ومجموعة القبّعات التي تصلح لكلّ الفصول، وتحسبها لرهط من الفنانين، وليس لواحد بعينه هو طوني العلم. حتّى زيزان الحصاد التي كنا نتسابق لوضعها في علب الكبريت، مع بتلات الورد، جاهزة لإكرام وفادتك، حال وطئك الأتيلييه الذي لا يتأخّر في أسرك بروائحه، ومحتوياته، سواء حين تدفئه الشمس، أو مدفأة الحطب، أو حرارة استقبال طوني، بقالبقه الروسيّ، ولحيته الشيباء، والشعثاء .

الموسيقى نادرًا ما تهدأ . ترانيم سريانيّة بصوت غادة شبير، أغانٍ غريغوريّة، وأداجيو، تلتقي على تشكيل خلفيّة لما يدور من أحاديث، فيما يتعالى بخار قهوته الساخنة .

لم يحرم العَلم نفسه، بادئًا، من الرسم الزيتيّ على القماش ذاهبًا إلى أسلوب خاصّ، بقياسات متدرّجة الأحجام. لكنّه سرعان ما وقع في أسر الزجاج، لطاقة الزجاج على تكسير الضوء، وعكس الألوان وهي تسبح في أمواج النور. فراحت الكنائس تناديه لتزيينها بزجاجيّاته: من مار جرجس- كفرياشيت، إلى مار يوسف - زغرتا، فمار سمعان - يحشوش، ومار أنطونيوس- بيادر رشعين، ومار سركيس وباخوس - أيطو، فمار مارون- الجميزة التي سلمت فيها أعماله ، بقدرة قادر، من عصف انفجار مرفأ بيروت. وصولًا إلى ضريح الطوباويّ البطريرك إسطفان الدويهي في كنيسة مار جرجس - إهدن .

وكلّ عمل كانت تسبقه قراءات، وأبحاث، ويمهّد له بماكيت، بعد دراسة متأنية للنمط المعماريّ الحاوي، وكمّية الضوء المنسلّ من مختلف الجهات، ومعدّل ارتفاع السقف. وتليه الولادة التي هي حاصل سعي حثيث للنقاوة والغنى في درجة حرارة اللون، وجهد جهيد كي يندسّ اللون في الكيان الزجاجيّ للوحة، المتبدّل مع تغيّرات النور، وتقلّبات الفصول. توخيًّا منه لخروج اللون بأعلى ما يمكن من القوّة، والمطابقة، للطبيعة. على نحو يوغل معه طوني في تشرّب ألوان الخارج، والأعالي بخاصّة، من القرنة السوداء، مثالًا،  وبتليا الواقعة في جوار محميّة إهدن الطبيعيّة، وجبل المكمل، ونبع جوعيت، وبقوفا، في إهدن. ويعيدها إليها مضاعفة بأعمال زجاجيّة مستوحاة منها، تبدو حين تعرض في هوائها الطلق، وكأنّها امتداد لجغرافيّتها، وفضائها. بزرقة السماء المصاغة بتدرّجات لونيّة، وألق الجبال النحاسيّ الضارب إلى الصفرة. وما سوى ذلك من ألوان ينصرف إلى دمجها في مزيج مدهش، ينتصر لكلّ ما يتوهّج في احتفالات النور. في عيد الحياة. سعيًا منه إلى الانصهار بالمطلق، ومغادرة الشكل نحو شفافيّة الروح .

 

تبارح مشغل طوني العلم الذي كان من مواليد العام ٢٠٠٧، حاملًا في صدرك خليطًا من المؤثّرات، وشحنات من الدهشة، ولوحات تكتفي بقطرة ضئيلة من الضوء كي تشاهد بعين الروح .

 

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين