إغــواء الربــيـع

إغــواء الربــيـع

للرّبيع إغواء لا تستطيع مُقاومته بمجرّد تخطّيه عتبة بيتك، بكلّ ما يتضوّع من حولك، وبحرارة الشمس التي تدعوك للخروج، والتمتّع بأديم الأرض المُفعم بالحياة. فيما تكبر، يوماً بعد يوم، وساعةً بعد ساعة، قوائم الذين يفتدون الوطن بأرواحهم، ودوائر المساحات المحروقة والمُدمّرة، التي يرصدها الموت. 

فتخرج إلى الأمكنة التي تَهيم بها روحك، إنّما بقلبٍ مملوءٍ بالحزن، والتأثّر، جرّاء حربٍ هي الآن من العنف والقسوة والسرعة في إلتهام حياة مواطنيك، والمُقيمين في بلادك، على نحوٍ تُريد معه أن تُنسيك كلّ ما سبق وتعاقب على أرضك المُعذّبة من أهوال، بلهب حرائقها المُشتعلة في جسد الخارطة الدائمة الإكتواء، والإبتلاء. تخرج، مُداراةٍ لحزنك، بجمالٍ ما سيقع عليه بصرك من ألوان، ومُداواةٍ لوجع قلبك المُنقبض من كلّ هذا البؤس المُفترس للأعمار، ولأرواح الأطفال، والنساء، والمسنّين، وطواقم المُسعفين، وكلّ المقدّسات . 

 

تخرج لتسرح قليلاً في الطبيعة مع القطعان التي ترعى، ولتنفتح أمامك طريقٌ، بعد طريق. كما تَتْلو الصفحة الصفحة في كتاب الحقول المُعْشَوْشبة، والهواء المُعطَّر. ولتمضي مُحاكياً النحل، بتحويمك حول الزهر، والطفل المحموم الهارع لفضّ غلاف هديّة، بإندفاعك نحوَ كلّ ما أزهر، على أغصان الأشجار، على أكتاف الحفافي، أو في ما تفلُشُه البراري في أحضانها، أو يفجّ الصخر بشرارات الحياة. توغِل أكثر لترتاح إلى الشدوِ المُتواصل للطيور، منذ تلاويح الفجر، حتى الهزيع الأخير من النهار . 

 

الربيع 9.jpg 458.96 KB
0

وحين تعود إلى منزلك، وقد حَمَّلك الربيع، في كلّ مَغرزِ إبرة من ثيابك، من الروائح ما تُطَيّب به مخدعك، يكاد القلم يُزهر في يدك، ويُبرعم، وأنت تذكر أفضاله بالخير. وتقول لنفسك، عساني أفتح، في خِضَمّ هذا السواد المُطبق علينا، باباً في القلوب على الشمس. بالصور التي تفتح العيون على فتنة الطبيعة في هذا الفصل، وبسطورٍ تُصرّ فيها الآمال على الإمتزاج بالمخاوف . 

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين