رسالة الفاتيكان في تطويب الحويك
السفير البابوي خلال احدى جولاته جنوبًا
لا يأخذ اعلان تطويب شخصية كالبطريرك الياس الحويك، المنحى التقليدي لملفات تطويب القديسيين، والمرشحين للتطويب. لا يخطىء الفاتيكان طبعًا في منح التطويب لشخصية غير مستحقة. ففي المحصلة، سيكون المرشح حاملًا لقب طوباوي تمهيدًا لتقديسه. لكنه كذلك يأخذ في الاعتبار الكثير من الحيثيات، في بلد كلبنان، ينظر الى كل مبادرة فاتيكانية على انها تحمل اكثر من رسالة.
في تطويب بطريرك الاستقلال الاول، يعود الفاتيكان، في اختياره شخصية وطنيّة ودعم ملفه، الى لعب دور اساسي في توجيه رسالة دعم للبنان ولمسيحييه. وبعد زيارة البابا لاون الرابع عشر الى لبنان، في تشرين الثاني الماضي، اتى الحدث الكنسي، ليعيد تسليط الضوء على ما يريده الفاتيكان من رعاية للبنان.
بعد انتهاء الزيارة البابوية، سأل احد الاساقفة عما حققته الزيارة واي اثر فعليّ تركته لدى المسيحيين. لم يكن الجواب مشجعًا، والجميع يذكر الاحتفاليات الرئاسية والتي رافقت الزيارة البابوية والشكليّات التي افرغت الزيارة من مضمونها الحقيقي. لم يكن الكرسي الرسولي، بعيدًا عن هذه الاجواء حينها، وقد خبر كل التفاصيل التي رافقت الزيارة. لكن مع ذلك حاول القيّمون على الحدث البابوي التعامل مع لبنان كرسالة خاصة تستحق التوقف معها بجديّة على الاقل من جانب الفاتيكان.
نُسب الى الفاتيكان الكثير من الادوار في التفاوض بين لبنان واسرائيل، لكن الحقيقة تقع في مكان آخر. لان البابا تقصّد التعامل مع لبنان بوصفه راعيًا للسلام فيه من دون العمل على ادوار وسيطة. ما فعله السفير البابوي باولو بورجيا في الجنوب والقرى الحدودية المسيحية المحاصرة، ولا يزال، يتعدى دور الوساطات. ورغم محاولات بعض الشخصيات السياسية تجيير دوره الانساني لصالح ادوار سياسية، وتغليب الحزبية على العمل الانساني، الا ان السفير البابوي حرص على ان يكون دوره بعيدًا عن اي استغلال لصالح فئة دون اخرى.
لا شك ان العلاقة بين الفاتيكان وواشنطن تراجعت عما كانت عليه في ظل ادارة الرئيس الكاثوليكي جو بايدن، ولا سيما بعد السجالات بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب والبابا نفسه. لكن الوسائل الديبلوماسية( عدا عن دور الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة) تجد دائمًا مكانًا كي تكون فاعلة وهذا ما يضع البابا دائما في مكان مناسب لاجل ابقاء العين على لبنان، كما غيره من دول تشهد نزاعات، مفتوحة لادوار تساهم في تقديم السلام.
بتطويبه الحويك الذي ساهم في اعلان دولة لبنان الكبير، يعطي الفاتيكان للبنان ولمسيحييه دفعة جديدة الى الامام. مشكلة اللبنانيين والمسيحيين في عدم حسن استعمال هذه الدفعة لا تقع على الكرسي الرسولي. حتى لا تتكرر ما حصل من انتهاء مفاعيل زيارة البابا لحظة مغادرة طائرته ارض المطار. ورغم ان انظار المسيحيين وما تبقى منهم في العراق وسوريا حيث يتحولون اقليّة – اقليّة، لا تزال موّجهة اليهم، الا ان لا تعويل حقيقيًا ولا رهان ناجح على دور فعّال يلعبه المسيحيون والموارنة خصوصًا في ان يلاقوا الفاتيكان الى نقطة التقاء اساسية تلعب دورًا حيويًا في انقاذ لبنان. اما عن الفاتيكان وبكركي تحديدًا فهذه قصة اخرى لها توقيتها.