مشروع العفو على النار والاجواء هذه المرة جدّيّة
جلسة مجلس النواب
اوفى رئيس مجلس النواب نبيه بري بوعده النائب العام التمييزي السابق جمال الحجار بتحريك مشروع قانون العفو العام. وها هو اليوم امام اللجان النيابية المشتركة في مجلس النواب في إجتماع عقداه حول تفاقم مشكلة الاكتظاظ في السجون التي سجلت رقمًا قياسيًا في الاعداد وراء القضبان لم يشهده لبنان يومًا، والوضع اللانساني الذي فاق قدرة الدولة على الاحتمال نتيجة اختلال التوازن بين ارتفاع حركة التوقيفات للمخلّين بالقانون، يشكّل غير اللبنانيين المقيمين على الاراضي اللبنانية نسبة تتاخم الـ 48 في المئة من إجمالي عدد السجناء يشكّل السوريون والفلسطينيون النسبة الاكبر منهم،فيما 70 في المئة من العدد الاجمالي قيد التوقيف الاحتياطي
عندما حصل ذلك الاجتماع بين بري والحجار كانت قضية تسليم موقوفين سوريين الى بلدهم، بطلب من الرئيس السوري احمد الشرع تطفو على البحث، وأنجزت عملية تسليم الدفعة الاولى منهم بعد تذليل المعوقات السياسية من امامها. وإثرها كان تخوف من حركة إعتراضية من المساجين لعدم شمولهم بالمثل، ما يضع السلطة امام مشكلة إضافية. وخلص اللقاء يومذاك بقول الحجار لرئيس المجلس إن "أي طرح جزئي لن يحل مشكلة الاكتظاظ التي لن تعالج الا بقانون عفو عام". وبعد حوالى شهرين على ذلك الاجتماع فاجأ قرار بري الاوساط السياسية والقانونية بإحالة هذا القانون على اللجان النيابية المشتركة، ما يؤشر الى جدية في التعاطي مع هذا الموضوع، كون عمل اللجان المشتركة يطبع الاقتراح بالعجلة عادة، وإحالته من ثم على الهيئة العامة للتصويت.
ثمة إصرار لدى رئيس مجلس النواب للمضي بهذا المشروع، وفق المعطيات، ومبرر ذلك حاجة لبنانية لمعالجة مشكلة السجون حيث تخطت نسبة الاكتظاظ نحو 300 في المئة .هذه القنبلة الموقوتة التي عولجت بالمسكنات حتى الآن ريثما يتوافر الظرف المؤاتي لطيّها، مع ما ترافق من بلبلة بوفاة سجناء لأسباب صحية حتى بلغ عدد المتوفين 48 سجينًا في العام الماضي.كما توفى عشرة اشخاص تقريبًا، بحسب مصادر حقوقية في السنة الحالية. ثم هناك توافق يشكّل شبه إجماع من الكتل النيابية المؤيدة لإقرار هذا القانون مع بعض التحفظات من رئيس الجمهورية جوزف عون وكتل فاعلة قابلة للنقاش. ومن المبررات أيضًا الحرج الذي خلّفته للسلطة مسألة تسليم موقوفين سوريين ناصروا الثورة السورية، فيما نظراؤهم اللبنانيون يقبعون في السجون.ووفق مصادر مطلعة فإن رئيس الجمهورية لا يعارض منحى العفو في المبدأ، الذي يمكن ان يتوج الثلث الاول من عهده وكذلك بالنسبة الى رئيسي المجلس بري والحكومة نواف سلام . ووفق المعطيات ان عون يشدّد على موضوع عفو مدروس لجهة خفض عقوبتي الاعدام والمؤبد، في حين يحصد المشروع بالنسبة الى المسؤولين الآخرين كَمًا من الموقوفين والمطلوبين من المواطنين من الطوائف غير المسيحية. ومن المبررات أيضًا لسريان هذا العفو حالة الحرب التي لم تفارق الاجواء اللبنانية منذ عام 2024، والتطورات الاخيرة في الجنوب وما خلفته من حالة نزوح نجحت الدولة في التعامل معها، من دون سلوك الارباك الذي أحدثه نقل موقوفين من سجون تحت النار والخطر وتوزيعهم على السجون، وترافق ذلك مع توقيفات جديدة لمخلّين بالامن الاجتماعي، ما زاد مشكلة الاكتظاظ اكتظاظًا خانقًا.كل هذه العوامل إستدعت هذا التحرك لقطع الطرق على مأزق امني جديد، وجعل مشروع العفو اولوية تنسحب على كل الكتل مع تسجيل نقاط اختلاف في بعض بنود المشروع . هذا الخلاف يتمحور حول خفض السنة السجنية من تسعة أشهر الى ستة أشهر والغاء عقوبة الاعدام وجعلها 25 عامًا حبسًا، والمؤبد 20عامًا.
رغم كل الظروف الاستثائية التي عاشها لبنان على مرّ الازمات، وتعدد اوجهها الماضيين، إتخذت السلطة السياسية قرارًا بوقف تنفيذ عقوبة الاعدام ،وفي الوقت نفسه استمر صدور احكام تقضي بهذه العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات، وذلك بعدما تعهدت السلطة السياسية لفظيًّا امام المجتمع الدولي بوقف تنفيذها والعمل على إلغائها مع الوقت. ولحْظ مشروع قانون العفو الحالي خفض هذه العقوبة الى 25 سنة، لا يمكن إعتباره الا مقدمة لإلغائها في النص واستبدالها بتشريع يقضي بالسجن. وفي حال يستفيد المحكومين بهاتين العقوبتين برفع المقصلة عن اعناق المحكومين بها ،كما وخفض عقوبة المحكومين بالمؤبد.ويشكّل هذا المحور ابرز نقاط الخلاف. وكذلك مسألة إدغام العقوبات.
المحامي صبلوح
يستخلص المحامي محمد صبلوح من هذا المشروع بأنه ليس عفوًا عامًا انما عفو جزئي لأنه مشروط بإسقاط الدعوى الشخصية رغم جعل السجنية ستة أشهر لمرة واحدة، وذلك بعيدًا من الاستثناءات التي يوردها وتشمل الدعاوى المحالة على المجلس العدلي، وجرائم الارهاب والاعتداء على امن الدولة الداخلي، والقتل ومحاولة القتل العمدي والقصدي، وفي عدادها تلك التي طاولت عسكريين، وقضايا الاتجار بمخدرات ومحكوم لمرتين بهذا الجرم، إختلاس اموال عامة وفساد.
وتستوقف صبلوح النقطة الخلافية الثانية لجهة ادغام العقوبات بالنسبة الى المحكومين بالجرم نفسه اكثر من مرة بحيث يطبق على المحكوم في النص الراهن العقوبة الاشد.ويقترح المشروع، بحسبه، زيادة عدد سنوات السجن للمحكوم ، و" ادخلنا مادة بإلزام الابقاء على العقوبة الاشد فحسب، على ان يطاله خفضها مع انزال السنة السجنية الى ستة أشهر". ومن شأن إقرار العفو "معالجة مشكلة مطروحة بشدة امام القضاء وتخفيف الضغط عنه" لجهة الشكوى من بطء المحاكمات، "كما ويعالج مشكلة الاكتظاظ في السجون، بما في ذلك التخلية الفورية للموقوفين منذ 12 عامًا وغير محكومين".ويرى صبلوح ان مشروع العفو المطروح " صيغ في طريقة إنسانية"، متمنيًا "عدم إدخال السياسة والطائفية فيه لأنه مشروع مدروس ولكل السجناء، وقد أجمعت كل الكتل على معالجة هذا الموضوع انسانيّا" بعيدًا من الاصطفاف الحزبي والطائفي" الذي حال في وقت سابق من اسقاط مشاريع للعفو. وتكّهَن بصدور هذا القانون " الاسبوع المقبل ان شاء الله في حال صار الإتفاق عليه من الهيئة العامة.ويحتاج إقراره الى النصاب القانوني الذي سيتأمن في نظري تمهيدًا لصدوره، الا اذا حصل ما من شأنه خربطة هذه الطبخة برمتها".