لبنان يفاوض وحيدًا
عون وكرم والوفد العسكري المفاوض
حين قرر لبنان ان يذهب الى التفاوض المباشر مع اسرائيل، فعل ذلك تحت ضغط الاربعاء الدامي والقصف الاسرائيلي العنيف الذي طاول بيروت. بعد انحسار موجة العنف، وقبول واشنطن الطلب اللبناني، حاول لبنان استيعاب فكرة التفاوض ولا سيما مع الضغط الذي مورس في حينه لترتيب لقاء بين رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. جرت اتصالات واسعة النطاق مع السعودية ودول عربية، من اجل التدخل لمنع استفراد لبنان. في وقت تردد كذلك ان السعودية بادرت الى اتصالات مع لبنان للجم الاندفاعة اللبنانية وعدم الذهاب الى التفاوض السياسي والاقتصادي مع اسرائيل فيما دول عربية لا تزال تقف خلف المبادرة العربية من اجل السلام مع اسرائيل.
كانت دول اوروبية تقوم بالامر نفسه، لانها اعتبرت ان واشنطن ابعدتها عن اي دور يتعلق بلبنان، والكلام هنا لا يتعلق فحسب بفرنسا بل كذلك، بايطاليا والمانيا واسبانيا، وهي دول كانت لها صلات بلبنان من خلال وجود قواتها العسكرية من ضمن قوات اليونيفيل. انتقال المفاوضات لاحقًا الى روما لا يتعلق بدور ايطاليا في التفاوض، بقدر ما هو موقع جغرافي واستراتيجي ملائم لكل من اسرائيل وواشنطن، بعد استبعاد باريس لاسباب تتعلق بموقف البلدين منها في ملفات تتعلق بلبنان وغزة.
مع تقدم جولات التفاوض عدديًا، ومن دون تسجيل خرق يذكر في الملفات المطروحة على الطاولة، يظهر أكثر فأكثر تأثيرات غياب رعاية عربية واوروبية للبنان في التفاوض. لا بل ان حركة الموفدين العرب، الذين كانوا يتحركون على خط بيروت انحسرت، ولم يعد يسجل زيارات تواكب حركة التفاوض وملفاتها العالقة. لا سيما ان العواصم اياها منشغلة بمواكبة تداعيات الحرب الاميركية الايرانية، وكل من قطر والامارات والسعودية منصرفة اما الى ابرام اتفاقات جانبية عسكرية او بتطويق انعكسات الردود الايرانية عليها.
كذلك اوروبيا، رغم ان الدول المعنية لا تزال ناشطة امميّا لتحلّ قوات لها بدل اليونيفيل او من اجل تكليفها بمراقبة حسن سير تنفيذ المراحل التجريبية. لكن القرار هنا اميركي بحت ولا علاقة للبنان به. ما يعني ان هذه الدول لا علاقة لها بسير التفاوض ولا كلمة لها، حتى لو رغب لبنان في تدخلها الى جانبه.
ابعد من ذلك، حتى الدور الاميركي مرجّح لان يتراجع تحت ضغط الملفات الاقليمية والدولية، ولن يستغرق الوقت حتى يظهر ان الاميركيين دخلوا في مرحلة المراوحة في ما يتعلق بالملف اللبناني. وهنا تكمن دقة الموقف في ما يتخذه لبنان من قرارات في شأن التفاوض.
لان الاميركيين قالوا ما عندهم في شأن ما تريده واشنطن، والكرة الان في ملعب لبنان، الذي دخل التفاوض وحيدًا، ولا يزال من دون اي سند، ويكاد يخسر السند الاميركي، لانه يتصرف وكأنه لا يعتبره سندًا، ولا حتى وسيطًا، بل طرفًا الى جانب اسرائيل.