فنجان قهوة

لم أكتب نقدًا لفيلم "الستّ" في مقالتي السابقة، لسبب بسيط ومهمّ، وهو أنّني لم أشاهده بعد. كتبت عن منهجيّة التلقّي حين يتناول العمل الدراميّ سيرة شخصيّة عامّة ذات قيمة كبيرة في وجدان الناس. 

وفي مقالتي اليوم، لا أكتب نقدًا، لكنّني أدور حول الموضوع، وأدخل من باب الشيء بالشيء يذكر؛ مذكّرًا بأنّ أمّ كلثوم المطربة حالة وحياتها الخاصّة حالة أخرى. الحالة الأولى، يمكن تبيان الصحيح من الخطأ فيها بإخضاعها لمقاييس النقد. يمكن تحليل خامة الصوت، قوّته، أسلوب إنشاد الستّ وقدرتها على أداء اللحن، وعلى الارتجال والتطريب. وقد أجمع خبراء الموسيقى على أنّ أمّ كلثوم تمتلك موهبة خارقة يندر أمثالها، وتربّعها على عرش الغناء ليس مصادفة. أمّا سيرة حياتها الخاصّة فيمكن أن تخضع للتأويل، بسبب تعدّد الروايات المنقولة شفهيًّا، وتضارب معلوماتها أحيانًا. 

ما لنا والقال والقيل. ولنبقَ في قراءة الوقائع وبعض المرويّات الشعبيّة. تقول الوقائع إنّ أمّ كلثوم غنّت عشر قصائد من أشعار أحمد شوقي. لكنّها لم تغنّ واحدة منها في حياته، بما فيها التي نظمها عنها هي شخصيًّا "سلوا كؤوس الطلا". لم تجعله ينعم بسماع إحدى قصائده منشدة بصوتها. وكانت معجبة بشعره. هذه وقائع حدثت، لكن الاستنتاج يعتمد على التقدير. في رأيي الشخصيّ، أنها لم تكن تنظر بعين الرضا إلى تبنّي أمير الشعراء للمطرب محمد عبد الوهاب، ودعمه بالكامل، في مصر وفي العالم العربيّ، الأمر الذي جعل وسائل الإعلام تطلق على عبد الوهاب لقب "مطرب الملوك والأمراء"، وجعله ينطلق بطلًا  في أفلام سينمائيّة مثل "الوردة البيضاء" (1933) و"دموع الحب" (1935) قبل أن تقف أمّ كلثوم أمام الكاميرا بطلة فيلم "وداد" (1936). وفي سنة 1937 غنّت أمّ كلثوم قصيدة شوقي "مقادير من جفنيك" بلحن رياض السنباطي، ثمّ أقدم عبد الوهاب على تلحين القصيدة ذاتها وإنشادها سنة 1953. المرويّات الشعبية تحدّثت عن غيرة أحدهما من الآخر، لكنّ الواقعة الأكيدة تثبت أن أول تعاون بينهما تأخّر إلى سنة 1964 حين غنّت "إنت عمري". 

وتعاون الملحّن محمد القصبجي مع أمّ كلثوم منذ منتصف عشرينيات القرن الماضي. وفي رأيي أنّه مصمم أسلوب الأداء الكلثوميّ اعتبارًا من "إن كنت أسامح". وحدث سنة 1944 أنّ رائعة "رقّ الحبيب" كانت آخر ألحانه لها. بعدها، باستثناء 3 أغنيات لحّنها وغنّتها في آخر أفلامها "فاطمة" ومن بينها  الذائعة الشهرة "يا صباح الخير"، اقتصر مكان القصبجي على كرسيّ في فرقتها الموسيقيّة مصاحبًا إنشادها بالعزف على العود. المرويّات الشعبيّة تقول إنّ كوكب الشرق لم تكن راضية عن انشغال القصبجي الزائد بأسمهان وعن تقديمه لها أروع الألحان، وتلاحظ المرويّات أنّ القطيعة تمّت في سنة وفاة أسمهان. لكنّ هذا الاستنتاج يلقى ما يناقضه، لأنّ رياض السنباطي لحّن لأسمهان هو أيضًا، لكن الست لم تقاطع ألحانه، بل ظلّ يتصدّر قائمة الذين لحّنوا أغانيها. 

ومن الوقائع أنّ أمّ كلثوم شدت بألحان كثيرين باستثناء فريد الأطرش. وتنوّعت المرويّات بهذا الصدد. فمن قائل إنّها لم تكن تحبّه لأنّه شقيق أسمهان، إلى قائل إنّها لم تكن تتذوّق ألحانه. ولا ترتكز هذه الأقوال على سند موثّق، برغم وضوح الواقعة. شخصيًّا، لا أعرف نوع الغيرة المتبادلة وحجمها، لكنّي أعرف ألحان فريد الأطرش. وقد جرت محاولتان للتعاون بينهما. في الأولى، لحّن فريد الأطرش قصيدة الأخطل الصغير "وردة من دمنا" واقترح اللحن على أمّ كلثوم، لكنّ الستّ تهرّبت بلياقة ولم تنشدها، فسجّلها بصوته. وفي المرة الثانية وبمسعى من أحمد شفيق كامل (مؤلّف "إنت عمري" و"أمل حياتي") الذي كتب كلمات "كلمة عتاب"، لحن فريد ثلاثة أرباع هذه الأغنية. وأيضا لم يرق لأمّ كلثوم أن تنشدها، فآلت إلى وردة الجزائرية بعدما أكمل بليغ حمدي تلحين ما تبقى منها. رأيي الشخصي، أن لحن قصيدة الأخطل لم يكن ملائما لكوكب الشرق وهو ليس من أجمل ألحان أمير العود، بينما لحن "كلمة عتاب" جميل ويناسبها. لكن هذا يبقى رأيي أنا الشخصي، ولا دالة لي على الستّ. 

ومن المرويّات التي سادت بعض أوساط المثقّفين في أعقاب نكسة 1967 أنّ من أسباب الهزيمة ولع الشعب بـ "الكورة وأم كلثوم". هذه المروية البائخة تعتبر مشاهدة مباريات كرة القدم والتحمّس لهذا الفريق أو ذاك، والانتشاء من أغاني الستّ، من المواد المخدّرة التي تحول دون الانتفاضة وتحدّ من الرغبة في النضال! وقد دامت لفترة وجيزة، فلفظها الناس. 

ومن الحكايات التي يهوى البعض تداولها ما ينسب إلى بخل أم كلثوم أو إلى كرمها. ليس عندي ما يثبت ذلك أو ينفيه. بيد أنّ خلافها مع زكريا أحمد ليس بشأن جودة الألحان، إنما مردّه إلى أسباب ماليّة وتقدير المبلغ الذي يستحقه نظير التلحين. وثمة حكاية تنسب للشيخ زكريا الذي كان صديقًا لوالدها، وينشدان معًا أغاني دينية في ليالي رمضان، قوله "أيّامها عزموني على نصّ فرخة. تجي تاخد قفص فراخ وتدّيني فلوسي". وكما اشتهر الشيخ زكريا بالفكاهة، كانت الستّ سريعة الخاطر، حاضرة النكتة. وكثيرة هي النكات التي صدرت عنها، ومنها أنّها حضرت نقاشًا بين القصبجي وأحد العازفين، وكان هذا يرغب في شراء كرافتة عرضها القصبجي للبيع، وكان ارتداها لسنوات، بل لعقود. طلب القصبجي 4 جنيهات وأصرّ العازف على جنيهين فقط، فتدخلت الستّ وقالت للعازف: "ادّي له 4. دي فيها اتنين جنيه دهن"!  

 

 

اقرأ المزيد من كتابات فارس يواكيم