حاضرة جبل عامل مدينة بنت جبيل تنفض عنها غبار حرب لتستقبل حربًا جديدة

حاضرة جبل عامل مدينة بنت جبيل تنفض عنها غبار حرب لتستقبل حربًا جديدة

عشية إنفجار الوضع الأمني في لبنان ، كان موقع "كافيين دوت برس" قد زار مدينة بنت جبيل ، وأجرى فيها استطلاعًا شاملًا . فوجد رغبة لدى أبنائها في التشبث بأرضهم ، وحماسا في إعادة النشاط في مختلف مفاصلها الإقتصادية والتربوية والصحية.

بنت جبيل، حاضرة جبل عامل وأهم مدنها. شكّلت عبر تاريخها الحديث أهمية تجارية وإدارية وثقافية متقدمة، منذ ما قبل العام ١٩٤٨، واستمر على الرغم من إقفال الحدود مع فلسطين. فالمدينة تحولت الى سوق واسع ونشط لمروحة واسعة من قرى قضائها وأقضية صور ومرجعيون والنبطية، فأنشئت فيها المحلات الضخم ، والمخازن الرحبة، التي احتوت مختلف السلع، من مواد بناء وأخشاب وأحذية ومواد زراعية وغذائية وألبسة وغيرها ... وزاد من نشاطها كونها مركز القضاء، فاحتوت على مختلف فروع الإدارات الرسمية، وعدد وافر من المدارس، وفرع للجامعة اللبنانية، وفروع لجامعات خاصة، ومستشفى حكومي، وعيادات لمختلف الإختصاصات.

 ولكن ، وبعد الحرب الأخيرة التي شهدها الجنوب ، وما تزال مستمرة، كيف أصبح الوضع عليه في المدينة ؟

حمل موقعنا هذا السؤال ، وتوجه به إلى عدد من المعنيين من أبناء المدينة ومن المسؤولين.فكان لقاء مع نقيب تجار بنت جبيل  محمد قصير، الذي استذكر الحركة النشطة، وخاصة بعد عام التحرير سنة ٢٠٠٠. وكانت هذه الحركة تتوج صيفًا بإقامة مهرجان للتسوق برعاية البلدية.  كانت المدينة تعجّ بالزوار والمتسوقين، الذين يقصدونها، ليس فقط من القرى المجاورة، بل أيضا من قرى بعيدة، نظرا الى ما تمتعت به محلاتنا التجارية من سمعة طيبة. فقد احتوت على كل السلع التي يطلبها المتسوق وبأسعار تنافسية . وزاد من هذه الحركة إقامة سوق يوم الخميس ، الذي تمتع بشهرة أكثر من أي سوق شعبي آخر في لبنان " .

وعن الحالة التجارية حاليًا ، يتأسف قصير ، ويعتبر أن الحركة قد تراجعت أكثر من ٨٠ بالمئة. ويعدّد أسباب هذا التراجع الكبير " فقد فقدنا المتسوقين من القرى المجاورة المدمرة والنازحة، ويمتنع السكان من قرى أبعد عن زيارتنا للخشية الأمنية. وكذلك توقفت حركة البناء وإعادة الإعمار، وهذه الحركة هي من اهم عوامل تنشيط التجارة. إضافة إلى امتناع أكثر من نصف عدد سكان بنت جبيل من العودة إليها، وكان عدد المقيمين فيها سابقا حوالي سبعة آلاف ".

 

القطاع المصرفي يقفل أبوابه في بنت جبيل.

 لعل أوضح صورة تعكس تراجع الحركة الإقتصادية في بنت جبيل، هي حال القطاع المصرفي الذي ذاب في شكل شبه تام . صحيح أن هذا القطاع قد عرف جمودًا على مساحة الوطن بسبب الأزمة الإقتصادية التي عصفت بلبنان منذ العام 2019، غير أن عوامل إضافية ساهمت في اختفائه من المنطقة الحدودية. فقبل نشوب حرب الإسناد، كانت تتوفر في بنت جبيل فروع لمصارف عودة، والإعتماد اللبناني ، وبيبلوس ، وبيروت والبلاد العربية ، وفينيسيا ، وفرنسبنك. وهذا الأخير هو الوحيد الذي لا يزال يعمل، لكنه _ وبحسب ما أفادنا به أحد موظفيه _ مهدد أيضا بالإقفال إذا لم تتوفر له قدرة تشغيلية كافية. 
أحد العاملين المصرفيين خليل بيضون  عدّد لموقعنا أسباب إقفال الفروع أبوابها" الأمر يرتبط بإعادة الإعمار  الذي لا يبدو قريبًا . فإعادة الإعمار مرتبط بالوضعين السياسي والأمني. فالمهن التي تنتج عنه يتجاوز عددها الأربعين، مما تخلق حركة اقتصادية نشطة تعيد الحياة للقطاع المصرفي" . 
ويذكر بيضون سببا آخر" وهو تضاؤل وصول أموال المغتربين، التي تصل فقط للإعانات العائلية وليس للإستثمار الذي يحتاج إلى ضمانات لا يستطيع أحد تقديمها. فرأس المال جبان يتحول إلى أماكن أكثر أمنًا". 
ولا يخفي بيضون شكواه من احتمال إقفال الفرع الوحيد المتبقي، وهذا يلحق أذى كبيرا بالمواطنين الصامدين في المنطقة، والذين يتلقون خدماته المتعددة، وخاصة في قبض الرواتب . فإذا أقفل سيضطر هؤلاء المواطنين أن يقصدوا المدن البعيدة عنهم ، في صور وصيدا وغيرهما . 
وذكر بيضون أن الفرع الصامد يحاول أن يزيد من قدرته كي يستطيع الثبات، فمثلا هو يعمل قدر الإمكان على تخفيف مصاريف العمولات الفورية، بهدف تسهيل التعامل وتوسيع البقعة الجغرافية لعمله. 

 وجدير بالذكر ، أن عدد العائلات التي كانت تعتاش من فروع المصارف في بنت جبيل ، كانت تزيد عن مئة عائلة.

خليل بيضون ، من عاملي القطاع المصرفي
القطاع التربوي ساعد على تثبيت الأهالي في مدينتهم 

 مدينة بنت جبيل ، التي هي العاصمة الإدارية والتجارية للمنطقة ، هي أيضا عاصمتها التربوية، نظرا الى العدد الكبير من المدارس الرسمية والخاصة التي تحتويها، ولفروع بعض الجامعات ومنها فرع للجامعة اللبنانية، وفروع معاهد فنية ومهنية، وأهمها معهدان فنيان رسميان.

ومنذ بداية العام الدراسي الحالي، سعت الصروح التربوية الرسمية إلى فتح أبوابها أمام طلابها، وكان للمدراء والمعلمين الفضل الأول في ذلك ، إذ تحمسوا انطلاقا من اعتبارات وطنية، وهي أن أهم عامل يشجع الأهالي على البقاء في منازلهم في مثل هذه الظروف التي تعيشها المنطقة، هو تشريع المدارس أبوابها أمام الطلاب . وهكذا استطاعت المدارس الرسمية أن تستعيد قسمًا كبيرًا من طلابها وغيرهم ، تراوح بين النصف والعدد الكامل. علمًا أنه يوجد ثلاث مدارس رسمية ابتدائية ومتوسطة، إضافة إلى مدرسة ثانوية. وتضم هذه المدارس حاليًا ما يزيد على ١٥٠٠ طالبًا.

 مديرة مدرسة جميل جابر بزي الرسمية لورا أيوب ، ذكرت لـ" كافيين دوت برس" ، أن عدد طلاب المدرسة عاد إلى طبيعته وهو ٥٠٠ طالب . وتعيد هذا الأمر إلى عدة عوامل ، ومنها انتقال عدد من التلاميذ من المدارس الخاصة إلى الرسمية، وخاصة بعد أن أثبتت المدرسة الرسمية ارتفاع مستواها الأكاديمي. وأيضا استقبال تلاميذ من قرى مجاورة تعرضت مدارسها للتدمير .

 

مديرة مدرسة جميل جابر بزي لورا أيوب
وتتميز مدينة بنت جبيل بالتعليم المهني الرسمي، الذي يعدّ من الأكبر في لبنان. ففيها مدرسة الشهيد راني بزي ، ومعهد بنت جبيل التقني . وقد ذكر لنا مدير المعهد أشرف بوصي، أن كلا المدرستين كانتا تستوعبان ١٦٠٠ طالبا ، أما اليوم فيوجد ١٠٥٠ طالبا . 

ويؤم هاتين المهنيتن طلاب من مختلف قرى الجنوب نظرا لتعدد الإختصاصات فيهما .

 

الجامعة الوطنية ، تعيد انطلاقتها 

 يتوفر في بنت جبيل فرع للجامعة اللبنانية، يضم فقط كلية للعلوم . مديرة الفرع الدكتورة ريمان عون قالت لموقعنا عن واقع هذا الفرع "خلال السنوات الماضية منذ الأزمة الإقتصادية وأزمة كورونا، ثم الحرب الأخيرة، واجه الفرع صعوبات كبيرة، واضطررنا في هذه السنوات أن نعلّم عن بعد . ولكننا في بداية هذا العام الدراسي، قررنا أن نواجه التحدي ، ونعيد فتح الجامعة في بنت جبيل، وذلك لخدمة طلاب المنطقة. وقد ربحنا التحدي ، فتسجل في الفرع ١٢٠ طالبًا. وهذا عدد مقبول نسبة الى عدد طلاب الثالث الثانوي الموجودين في ثانويات المنطقة، مع العلم أن الفرع يستقبل الطلاب للسنة الجامعية الأولى فقط، بعد ذلك ينتقلون لإكمال تخصصاتهم إلى بيروت وباقي المدن الكبرى . 

وعن صعوبات واجهتها الجامعة مع بداية العام، قالت عون" الصعوبة الأولى كانت تمنع بعض الاساتذة من الحضور لخشية أمنية، أو لفقدان منازلهم . والصعوبة الثانية كانت تضرر المبنى في شكل كبير بسبب سقوط قذيفة عليه. فعملنا على تأمين اساتذة بدلاء من أبناء المنطقة ، كما عمل مجلس الجنوب على إعادة ترميم المبنى من كل النواحي".

 

الدكتورة ريمان عون مديرة فرع الجامعة اللبنانية في بنت جبيل
المستشفى الحكومي  بدء رحلة التعافي .

 يعتبر المستشفى الحكومي من أهم المرافق الصحية في المنطقة . وقد لحقت به أضرار جسيمة خلال الحرب الأخيرة ، غير أنه حاليًا ينفض عنه غبار هذه الحرب ليعود في خدمة أبناء المدينة وقراها. 

واكدت مديرته الدكتورة لينا بزي لنا أن ثلاثة أرباع المعدات قد تضررت نتيجة الحرب " وقد عملنا على إعادة تأهيل وتجديد المعدات في أقسام : الأشعة، المختبر، غسل الكلي، العمليات، منظار الجهاز الهضمي، تمييل القلب، التوليد، العناية، الطوارئ، العلاج الفيزيائي " . 

وذكرت أنه تم تجهيز المعدات من خلال مساعدات من وزارة الصحة، والبنك الدولي ، والبنك الإسلامي، ومن وحدات من القوات الدولية، كما أن مجلس الجنوب ساعد في إعادة الترميم . والمغتربون من أبناء المدينة زودوا المستشفى بكمية من الأدوية، وساعدوا في إصلاح المصعد، وغيرها من الأمور . 

وأشارت الى أن القدرة الإجمالية له تبلغ ١٣٦ سريرا ، وقد تمّ حتى الآن تأمين نصف هذه القدرة. 

وعن الصعوبات التي يواجهها المستشفى :" الخشية من الوضع الأمني ، ضيق الوضع المادي عند المقيمين ، فهم بانتظار تفعيل بطاقة ( عائد ) المخصصة لقرى الحافة الأمامية . كذلك مشكلة عدم توفر أخصائيين للأمراض الصدرية والعصبية والتخدير والإنعاش " . 

وعن الأقسام التي تحتاج إلى مساعدة لإعادة العمل بها ، ذكرت : قسم الأطفال الخدّج ، وقسم العلاج الكيميائي ، وقسم عمليات العيون . فالجهاز الخاص بعمليات العيون معطل ، ونناشد الأيادي الخيّرة بإصلاحه .

الدكتورة لينا بزي مديرة مستشفى بنت جبيل الحكومي
وإن كنّا قد ذكرنا الأضرار الإقتصادية والتربوية والصحية التي لحقت بها ، فإنّ أضرارا مباشرة قد أصابت منازل بنت جبيل . فقد دمّرت ٢٩٠ وحدة سكنية في شكل كامل، كما تضررت ٦٠٠ وحدة أخرى. ويبقى الضحايا الذين سقطوا بالعشرات، والذين لا يمكن التعويض عن خسارتهم .

 

 

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب