اتقنت المهارة الذاتية وجسّدتها • قيمة مضافة الى تراث الصابون
ثبت علميًا ان كل انسان موجود على هذه الكرة الارضية التي تسعنا جميعًا ولد وولدت معه مهارة او اكثر، والمهمّ ملاحظتها في الصغر ومساعدته على تنميتها . واذا لم يتنبّه ذووه لها لسبب او لآخر ،وشعر بها هو عندما اخذ يعي على هذه الدنيا يمكنه العمل عليها بنفسه وبِجدّ، لتُزهر نتيجتها امام عينيه، ويلمسها بنفسه.وقد تصبح غده إن ادرك هو نوع مهارته الشخصية تلك، والمتعارف على تسميتها علميًّا ب"المهارة الناعمة" . هي لا تكتسب من طريق التعلُم كتلك المعروفة بالمهارة الصلبة. اول ما تحتاجه المهارة الناعمة هو فعل ارادة في التصميم على تنميتها تمامَا كالموهبة. ومن هذه المهارات روح المبادرة، مع ما تتطلبه من وعي وجرأة وشجاعة وتحمُّل مسؤولية والمثابرة بلا تراجع حتى النجاح والتعلم من الخطأ.بإختصار ان يشعر بشغف نحوها.
هي هاجرت الى الامارات مع كثر ممن هاجروا من لبنان الى شتى الأنحاء في بدايات الحرب.وتزوجت ورّبت عائلة، ما اضطرها الى التوقف عن متابعة التحصيل الجامعي، من دون ان تتخلى السيدة حنان سري الدين عن حياتها الثقافية التي اندمجت فيها وعاشتها في "نمط راق وجميل"، على تعبيرها، ما مكَّنها من شغل مركز العضوية في مجلس الفكر والمعرفة في مدينة العين الاماراتية، كذلك انضمت الى الصالون الادبي هناك. تتحدث بفخر عن اولادها الذين انصرفوا الى حياتهم بعد تخرجهم الجامعي.وبعد 44 عامًا عادت الى بلدتها بزبدين الجميلة في جبل لبنان قبيل جائحة كورونا.

غابت حنان كل هذه العقود عن بلدها لتعود وتجده لا يزال منغمسًا تارة في اجواء الازمات، وطورًا في الحرب بلا كلل.وبينما تحزم حقائب العودة فكّرت بما ستفعله بعد استقرارها فيه. لم تشأ متابعة مجاراة الحياة الاجتماعية والعيش في صخب المدينة.إختارت ان تستقر وزوجها في بلدتها. و"صممت على العمل فيها"، لتستطرد في حديثها الى" كافيين دوت برس"، " مما يشكو مشروع الصابون". مقرّبات منها لم يأخذن كلامها على محمل الجد في بادئ الامر، ومازحنها عندما ذكرت على مسامعهن فكرة نوع العمل الذي تنوي القيام به، بعبارة لا تخلو من تهكم " يا زينة التجار".
تُلخّص حنان نمط تفكيرها ومدى تعلّقها بفكرة الابتكار التي راودتها .بحثت وتحاورت مع الذات في ماهية ما يمكن ان يحقق ما تصبو اليه، حتى ادركت الطريق ."هي تتناسق كثيرًا مع تصنيع صابون خاص بي".ولتحقيق المبتغى "أسقطت كل ما إكتنزته من تراكم معرفة في كل البحوث والمعلومات والتحاليل التي قمت بها في المجلس الادبي على اختياري مجال الصابون الذي لم يكن بدافع جني المال. ما اردته هو ان اقوم بعمل مميز وابني إسمًا مما سأختاره لأنجح فيه، ويمثّلني. وهو ما افخر به في هذه المرحلة من العمر.إنصب اهتمامي كثيرًا على ان اكون إمرأة معطاء، وان يكون عطائي صادقًا، نظيفًا، متقنًا، ومبنيًا على قاعدة صلبة،وارى نفسي فيه.والحمدلله انا ممتنة اليوم بأصداء ما حققته ما يُشعرني بفرح كبير وتكفيني كلمة شكر وأدعية ".
تِعِز عليها كلمة البراند الذي ابتكرته عن إقتناع.وتتحدث عنه وكأنه وليدها الذي ينمو ويكبر ويتطور في اصنافه حتى إجتاز ما وراء البحار. ووصل الى الكويت ودول اوروبية واوستراليا.
تحتاج خلطاتها المتنوعة الى حلّال ليستوعب الاصناف الذي تنتجها بيديها فحسب، في معمل خاص بها قرب منزلها الجبلي، ليَفك بعض الخلطات العجيبة الغريبة التي تقوم بها، والمبنية على استخدام مواد عضوية فقط. يدرك جيدًا اهالي الجبال بعض انواعها.كالغار، والكركم، ثم السدر المستورد من الكويت،وانواع أخرى مع مزيج البابايا ،وأخَر من فواكه استوائية ونبات هندي. ولا ينتهي العدّ لنتاجها الذي اساسه الزيت البلدي. الى ان تُصب كل من الخلطات على حدة في قوالب يعاونها فريق عمل بإشرافها في مجالي التسويق والتوزيع.
تعتبر حنان ان "اي نجاح يجب ان يُقرن بالتخلي عن الطمع والربح السريع".وتستذكر ما إنطبع في ذهنها مما فعله الاهل في فصل الشتاء لتعقيم الجو، بوضع الماء واوراق شجرة الكينا على مدفأة الحطب. وكانت اول صابونة صنعتها خلال جائحة كورونا من منطلق انها تُنظّف وتُعقّم . وفوجئت بردود الفعل الايجابية في شأنها، وخصوصًا ما لفتني عن فعاليته في علاج غير حالة من انواع الحساسية التي تطفو على الجسم او الرأس. ومع الوقت طورت الصابونة الى مُستحضر لغسل الشعر.ثم تشعبت الفكرة الى انواع اخرى من الصابون العضوي للأهتمام بالبشرة او معالجة البثور والكلف. فإلى مستحضرات اخرى لغسل الشعر من نبات اكليل الجبل واخرى من زهرة البابونج وغيرهما، ثم الى العطور.
تراث لبنان في صناعة الصابون قديم العهد، يعود الى ستة قرون. وتفرَّع منه الصابون البلدي، والغار ، ثم تطور الى الصابون العطري. واشتهر خان الصابون في طرابلس في صناعة هذه الانواع.
اليوم تشعر حنان بأن صناعة الصابون تبادلها " العطاء الذي منحتها اياها بسخاء ونفَس واهتمام وتميز، وتُشبّه ما تقوم به كأي عمل يقوم به الإنسان لا بد ان يعطيه بالمثل". وتختصره بمبدأ تؤمن به ، ومآله الى ان أي عمل نظيف يُعطي نتيجة جيدة". هي بصمة مضافة الى التراث، وتشارك في تطويره، تطبعها يد سيدة في الانواع المتعددة من الصابون. تبرزه في مظهر لائق بعلبة الكرتون وكيس من الورق، كما الزمن الجميل في لبنان الذي لا بد ان يعود.
