البيوت الجاهزة تدخل حسابات الجنوب: حلّ سريع تصطدم به الأرض والخدمات

البيوت الجاهزة تدخل حسابات الجنوب: حلّ سريع تصطدم به الأرض والخدمات

بيوت جاهزة

بين الركام الذي خلّفته الحرب، وبيوت لم يعد ممكنًا السكن فيها، وعائلات تنتظر إعادة الإعمار للعودة إلى قراها، يبرز خيار جديد في جنوب لبنان: البيوت الجاهزة والقابلة للنقل.

الفكرة تبدو بسيطة للوهلة الأولى: وحدة سكنية يمكن تصنيعها وتركيبها خلال فترة قصيرة، وتؤمّن للعائلة سقفًا موقتًا إلى حين إعادة بناء منزلها. لكنّ هذا الحلّ، الذي بدأ يدخل فعليًا في النقاش الرسمي والبلدي، يفتح في المقابل أسئلة كثيرة تتعلق بالكلفة، والبنية التحتية، وملكية الأراضي، ومدى تقبّل السكان له، والأهم: هل يمكن أن تتحول هذه البيوت من حلّ موقت إلى واقع دائم؟

في بلدات حدودية جنوبية تعرضت أجزاء واسعة منها للدمار، لا تزال عائلات كثيرة خارج منازلها، فيما لم تبدأ إعادة الإعمار على نطاق واسع بعد. وفي وقت يعمل فيه مجلس الجنوب على إزالة الركام ومسح الأضرار والتحضير لاستقبال نماذج من البيوت الجاهزة، بدأت شركات متخصصة تلاحظ ارتفاعًا في الطلب، وإن كان لا يزال محدودًا.

الجنوب يبحث عن سقف موقت

في بلدة زوطر الغربية، التي تعرضت أحياء فيها لدمار واسع، بدأت بالفعل أعمال إزالة الركام والأنقاض تمهيدًا لتحضير الأرضية لاستقبال البيوت الجاهزة التي يُفترض أن توضع في خدمة الأهالي.

ويأتي ذلك بعد إنجاز مجلس الجنوب المرحلة الأولى من مسح الأضرار التي لحقت بالمباني المدمرة كليًا وجزئيًا في البلدة.

ويقول مصدر في مجلس الجنوب لـ"كافيين دوت برس" إن نماذج أولية من البيوت الجاهزة المنوي اعتمادها للتصنيع وُضعت في باحة النادي الحسيني في بلدة قعقعية الجسر المحاذية لزوطر الغربية، موضحًا أن العمل جارٍ على تجهيز مركز لتجميع هذه البيوت، على أن تُستقبل عروض من المهندسين لاختيار النموذج الأنسب من حيث السعر والجودة.

وبحسب المصدر، فإن النموذج المقترح يتألف من غرفتين ومطبخ وحمام، ويكون مجهزًا بتمديدات للكهرباء والمياه والصرف الصحي. ومن المفترض أن يوضع كل منزل على الأرض التي كان يقوم عليها المنزل المدمّر.

وتضمّ زوطر الغربية، وفق المصدر، نحو 150 مبنى مهدمًا في شكل كامل، إلا أن عدد الوحدات السكنية المتضررة أكبر من ذلك، إذ تضم بعض المباني أكثر من منزل أو وحدة سكنية. وعند بدء عملية التسليم، ستُعتمد الوحدات السكنية معيارًا لتوزيع البيوت الجاهزة.

ويؤكد رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لـ"كافيين دوت برس" أن البلدية تتعامل مع مجلس الجنوب في هذا الملف بهدف تأمين مساكن للأهالي، مشيرًا إلى أن الموضوع لا يزال في طور التحضير.

ويقول عز الدين إن غالبية الأراضي في الجزء الغربي من البلدة تعرضت للدمار، وإن الهدف الأساسي هو إعادة السكان إلى بلداتهم، لكن ذلك يحتاج إلى بديل موقت في المرحلة الانتقالية.

ويضيف أن البلدية تبحث في إمكان تأمين بيوت جاهزة لمعظم الأهالي كحلّ موقت، إلى حين انطلاق عملية إعادة الإعمار، معتبرًا أن عودة السكان تصبح أكثر صعوبة إذا لم يتوافر لهم مكان للسكن.

الفكرة لم تنتشر بعد

لكن الصورة على مستوى القرى الجنوبية لا تبدو، حتى الآن، وكأنها أمام موجة واسعة من البيوت الجاهزة.

فبحسب منسق «تجمّع أبناء القرى الحدودية الجنوبية» المهندس طارق مزرعاني، لا تزال ظاهرة البيوت الجاهزة شبه معدومة في معظم القرى المدمرة جزئيًا.

ويشرح مزرعاني لـ«كافيين دوت برس» أن معظم الأهالي الذين تمكنوا من العودة حاولوا إيجاد حلول أخرى، فمن كان منزله قابلاً للترميم أعاد تأهيل جزء منه وسكن فيه، فيما لجأ آخرون إلى منازل أقاربهم أو استأجروا مساكن، بينما لا يزال قسم من السكان في مناطق النزوح، ولا تزال بعض القرى غير مأهولة بسبب الوضع الأمني.

ويقول إن فكرة البيوت الجاهزة لم تصبح حتى الآن خيارًا واسع القبول لدى السكان، مشيرًا إلى أن العائلة تفضّل في كثير من الحالات دفع الأموال لترميم منزلها، ولو في صورة جزئية، أو بناء منزل صغير، بدلاً من إنفاقها على وحدة جاهزة.

ولا يقتصر تحفظ مزرعاني على الجانب النفسي أو الاجتماعي، بل يشمل أيضاً طبيعة هذه الوحدات وحجمها. فالبيوت الجاهزة الصغيرة، وفق رأيه، قد تكون مناسبة لفرد أو عائلة صغيرة، لكنها لا تلبي بالضرورة احتياجات عائلة متوسطة الحجم، ولا سيما أن بعض النماذج التي يجري الحديث عنها تتراوح مساحتها بين نحو 20 و30 مترًا مربعًا.

ويضيف أن المنزل التقليدي يوفر للسكان مساحات وخدمات اعتادوا عليها، مثل المستودعات والأسطح والمساحات الإضافية، في حين تحتاج البيوت الجاهزة نفسها إلى تجهيزات وبنية تحتية، من قواعد وأرضيات إلى الصرف الصحي والمياه والكهرباء. ويعتبر أن سرعة تركيبها هي ميزتها الأساسية، لكن ذلك لا يجعلها بالضرورة الخيار الأكثر راحة أو ملاءمة للحياة اليومية في القرى.

من حلّ سريع إلى مخيم؟

إلى جانب الاعتبارات العملية، يطرح مشروع البيوت الجاهزة سؤالاً أكثر حساسية يتعلق بشكل القرى نفسها.

ويقول مزرعاني، وهو مهندس، إن أبناء القرى الحدودية لا ينظرون بالضرورة بإيجابية إلى تجمع عدد كبير من البيوت الجاهزة لأنها قد تعطي، برأيه، انطباعًا يشبه المخيم أو السكن الشعبي، ولا تنسجم مع النسيج العمراني للقرى الجنوبية.

ويشير إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بوضع البيت الجاهز، بل بالبنية التحتية المحيطة به: أين سيُقام؟ ومن سيؤمّن الأرض؟ وكيف ستُوصل إليه المياه والكهرباء؟ ومن سيؤمّن الصرف الصحي والخدمات والحماية؟ ويطرح سؤالاً آخر حول إمكان وضع هذه البيوت في أراضٍ مشاع أو في مناطق تستقبل سكانًا من قرى أخرى، متسائلاً عما إذا كانت البلدات المضيفة ستتقبل إنشاء تجمعات سكنية جديدة على أراضيها.

ومن هنا، لا يرى مزرعاني أن البيوت الجاهزة يمكن أن تتحول إلى حلّ دائم، معتبرًا أن الخيار الأفضل، بالنسبة إلى القرى الحدودية، هو تأمين بدل إيواء مناسب للعائلات يمكّنها من استئجار مساكن إلى حين إعادة إعمار منازلها.

ويقول إن البيوت الجاهزة يمكن أن تكون جزءًا من الحل، لكنها ليست الحلّ، ولا سيما الحلّ الدائم. أما الحلّ الأساسي، في رأيه، فهو عودة السكان إلى أراضيهم وإعادة بناء منازلهم.

ويستعيد مزرعاني تجربة ما بعد حرب تموز 2006، حين جرى اللجوء أيضًا إلى البيوت الجاهزة، معتبرًا أن التجربة لم تتحول  خيارًا سكنيًا دائمًا، إذ بقيت بعض الوحدات في نطاق البلديات ولم تصبح بديلاً مستقرًا عن المنازل.

 

شركات تلاحظ ارتفاعاً في الطلب

 

في المقابل، تقول شركات عاملة في تصنيع وتجهيز البيوت الجاهزة لـ"كافيين دوت برس" إن السوق بدأ يتحرك مجددًا خلال الأيام الأخيرة، مدفوعًا بالحاجة إلى حلول سريعة للسكن. وتشير الشركات إلى ارتفاع الطلب على وحداتها بنحو 20 إلى 30 في المئة خلال الأيام الأخيرة، مرجّحة أن يؤدي تحسّن الظروف العامة إلى دفع الطلب إلى مستويات أعلى.

وتختلف مدة تصنيع وتركيب المنزل، بحسب الشركات، وفق حجمه وتصميمه ومواصفاته. وقد يحتاج المنزل المؤلف من طابق واحد إلى فترة تتراوح بين أربعة وخمسة أشهر، فيما قد تمتد مدة إنجاز مبنى من طابقين إلى نحو ستة أشهر، وفقاً لطبيعة المشروع. وتستخدم الشركات الخرسانة في تنفيذ بعض وحداتها، وتقول إن هذه المنشآت تُصمّم لتكون ثابتة وليست موقتة بالمعنى التقليدي، مشيرة إلى أن إزالتها بعد تركيبها ليست عملية بسيطة.

وفي ما يتعلق بالتراخيص، تقول إحدى الشركات إن تنفيذ المشاريع يتطلب التنسيق مع البلديات والتنظيم المدني وإعداد الملفات المطلوبة قبل البدء بالأعمال، موضحة أن الإجراءات تختلف بحسب المنطقة، ولا توجد بلدية واحدة تتولى هذا النوع من المشاريع.

أما التمويل، فتقول الشركة إنه لا يرتبط حتى الآن ببرنامج حكومي أو منح عامة، مشيرة إلى أن معظم الطلبات تأتي من أفراد يرغبون في بناء منازل لأنفسهم، بينهم أشخاص فقدوا منازلهم في الجنوب، ويتولون تمويل المشاريع في صورة مباشرة.وتضيف أن الشركة بدأت تتلقى اتصالات في شأن مشاريع محتملة في الجنوب، من دون أن تكون قد دخلت بعد في تنفيذ واسع النطاق هناك.

 

ولا تقتصر سوق البيوت الجاهزة، بحسب الشركات، على الوحدات الكبيرة أو المنازل التقليدية، إذ تتوافر أيضًا نماذج أصغر قابلة للنقل يمكن استخدامها في حالات الإيواء الموقت. وتقول إحدى الشركات المتخصصة إن الغرف الجاهزة يمكن أن تشكل خيارًا للإقامة الموقتة، خصوصاً في حالات النزوح، على أن تضم مساحة للنوم وحمامًا ومطبخًا صغيرًا ، مع إمكان ضمّ وحدتين إلى بعضهما لتلبية احتياجات العائلات الأكبر.

وتقدّر الشركة الكلفة الوسطية للوحدة ذات المواصفات العالية بنحو 200 دولار للمتر المربع، ما يعني أن كلفة وحدة صغيرة بمساحة 20 مترًا مربعًا قد تبلغ نحو 4 آلاف دولار، وفقًا للمواصفات والتجهيزات المعتمدة.

وتقول إن بعض هذه الوحدات يمكن تصنيعها خلال يومين أو ثلاثة، وتركيبها على أرضية قائمة أو حتى فوق مبنى قائم، كذلك يمكن تعديل مظهرها الخارجي باستخدام الخشب أو القرميد لجعلها أقرب إلى الشكل التقليدي للمنازل.

وفي الطرف الآخر من السوق، تعرض شركات متخصصة نماذج أكثر فخامة، بينها البيوت الجاهزة المصممة على شكل "دوبليكس" من طابقين. وتتراوح كلفة هذه النماذج، بحسب عروض الشركات، بين 700 و800 دولار للمتر المربع، وتشمل تجهيزات أكثر اكتمالاً، من المطابخ والحمامات إلى الجدران والأرضيات والأسقف والإنارة والتجهيزات الصحية.

وتقدم بعض الشركات هذه الوحدات على أنها منازل متينة وليست مجرد منشآت موقتة، مع ضمانات تمتد لسنوات طويلة وتشمل، وفق شروط الشركة، أضرار المياه والتسربات والمشكلات الهيكلية والصدأ. ويعكس هذا التفاوت في الأسعار والمواصفات، بحسب الشركات، الفارق بين الغرفة الجاهزة المخصصة للإيواء السريع، والمنزل الجاهز الذي يُسوّق كبديل عن البناء التقليدي.

لكن الشركات تشير في الوقت نفسه إلى أن تركيب الوحدة السكنية ليس سوى جزء من عملية تأمين السكن. فالمنزل الجاهز، مهما كان مجهزًا، يحتاج إلى أرض وبنية تحتية وخدمات أساسية. وتشمل هذه المتطلبات تأمين المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرقات وتجهيز الأرض، وهي عوامل تقول الشركات إنها أساسية لجعل أي تجمع من هذه الوحدات قابلاً للسكن.

وبناءً على ما تقوله الشركات، فإن اعتماد البيوت الجاهزة على نطاق واسع يتطلب معالجة مسائل تتجاوز تصنيع الوحدات وتركيبها، بينها تحديد الأراضي المناسبة، وتأمين البنية التحتية والخدمات، واستصدار التراخيص، فضلاً عن تحديد الجهة التي تتولى الصيانة والإدارة. وتبرز مسألة الملكية. فإذا كان المنزل الأصلي مدمرًا في قرية حدودية، فإن نقل الأسرة إلى أرض أخرى قد يعني إنشاء حلّ سكني خارج ملكيتها الأصلية، ما يطرح أسئلة قانونية وعملية تتعلق بطبيعة الأرض وحق استخدامها، حل للعودة… أم تأجيل لها؟

 

 

اقرأ المزيد من كتابات ربيع يونس