إهدن عاصمة الكبّة
إذا كان جرن الكبّة الذي كان يُصنع، فيما مضى، من حجر إهدن السماقيّ النادر، بعرقيه الزهري والأبيض، قد أصبح خلفنا، إنسياقًا مع مبدأ الجهد الأقل، بعدما أفقدته ماكينات طحن اللحم دوره، وحوّلته إلى أداة من أدوات الزينة داخل البيوت، أو على الشرفات، وعند المداخل، فهذا لا يعني اننا توقفنا عن إلتهام الكبّة، بمختلف أصنافها، أو أن شهيّتنا لأكلها، وإزدرادها، قد تراجعت .
فنحن، في زغرتا، من منطقة تُعتبر واحدة من أكثر المناطق اللبنانية شهرة في إعدادها، وتحضيرها. نولد فيها، أو نحمل إليها من مغترباتنا، صغارًا. فننشأ، ورائحة الأقراص المشوية على الفحم، أوشميم صواني " المبسطة " التي تُقطّع مثلثات العائدة من الأفران، بخاصة الحجرية، و" المطبّقة " المحشوة لحمًا مفرومًا وبصلًا والمقطّعة مربعات، ملء مجارينا التنفسية. دعك من رائحة "الكباكيب " الكبيرة الحجم التي تُقلى بالسمنة في البيت، والصغيرة منها التي تقّدم الآن في المطاعم مع الرقاقات، المقلاة بالزيت. فضلًا عن الكبّة التي تؤكل نيئة، والمضاهية في رواجها، وشهرتها، للأقراص المشويّة. فقد زرع أهلنا في معدنا، منذ طراوتنا، من البرغل الناعم المستخدم في الكبّة، ما أورثنا كل هذا الإقبال البالغ حدّ الإدمان على دهورتها إلى جوفنا. ما يجعل من أجهزتنا الهضمية مهيأة، بالمناعة العضوية المكتسبة، لطحن البرغل، بكفاءة هضميّة نادرة، قد تكون متعذّرة لدى سائر الشعوب. وكأني بالكبّة قد أضحت جزءًا من هويتنا، ومن تجذّرنا بأرضنا، وإرتباطنا بالقمح، كمادة أوليّة للشبع، مصحوبة بالخبز، وعنصرًا أساسيًا، من عناصر نظامنا الغذائي .
وكان واحدنا إذا دعاه داعي السفر والهجرة، ونأت به المسافات عن سقفه الوالديّ، وعن لقمة والدته الطيّبة، يوصي أهله بإرسال جرن ومدقة خشبية، على متن أول " بابور " سيمخر عباب البحار إلى ناحيته. وناس الماضي، سواء كانوا أقرباء، أم جيرانا، أم اصدقاء الذين تربوا على النخوة، لم يكونوا يستثقلون تأدية خدمة، بالغ ما بلغت من صعوبة. وهذا ما دفع الشاعر يونس الإبن كي يكتب في نص مسرحيته الغنائية لمهرجانات إهدن السياحية : "هاك الغريبي" ، صيف ١٩٦٤ ، فيما كتب :" ومشتاق لستي محبي/ الصارت بحدود السبعين / ودقتها بجرن الكبي/ ولا دقة بنت العشرين ".
وإذا كانت بيروت تفاخر بـ " صيّاديتها "، وبعلبك بـ" صفائحها، وزحلة بـ " كبّة نيتها "، وشتورة بـ " عروسة لبنتها "، وصيدا بـ" سنيورتها "، وطرابلس بـ"حلاوة جبنتها " وسائر أصناف حلوياتها، فمنطقة إهدن - زغرتا تتغاوى بكونها عاصمة الكبّة، بلا منازع. لأن أهلها يجيدون صنعها، كما ولا مكان آخر في العالم. على نحو تغدو معه بعض مطاعمها، خلال فصل الصيف، من فرط إقبال المغتربين والمقيمين عليها، أقرب إلى مصانع للكبّة ، منها إلى المطاعم العادية .
وكانوا ، فيما مضى من أيام، يعزون سرّ التفوق الزغرتاوي في إعدادها الى صقوعة المياه العذبة، الطيّبة المنهل، العميمة المنافع، المتدفقة من نبع مار سركيس، في إهدن، خلال تحضيرها، أو تلك التي تفيض سلسبيلًا رقراقًا من مياه نبع رشعين، عندما يتعلق الأمر بمطاعم المرداشية، في زغرتا . لكن بعد شيوع البرادات سقط البرهان، وظلّ المذاق طيبًا تحت اللسان . ومنهم من يردّونه إلى البراعة المتوارثة في تحديد المقادير المتوازنة لخلطة البرغل واللحم والتوابل، أو إلى جودة اللحم البلدي، ومدى طزاجته، وسوى ذلك من الأسباب. لكنهم لا يفوتهم اللفت إلى طعم الكبّة المدقوقة على الجرن ، وإلى إختلاف طعم لحمته عن تلك التي هي صنيعة الماكينات الآن، بسبب بقاء الكثير من الشروش والعروق الرفيعة في لحمة الجرن، والمطيّبة لمذاق اللقمة .
مع ذلك ، فإننا نواصل اليوم أكل الكبّة ، وبالشهية المفتوحة إياها . كأنما عملا بما كان يتردد بيننا :" الكبة الكبة كبتنا / هيي يللي ربتنا / هيي الصيرتنا كبار / لولاها كنا متنا ". نرضى بما تيّسر منها . ونستسيغ أقراص الكبّة المشويّة محمولة على دراجات " الدليفري" ، من أقرب مطعم متوفر. أما إذا أعدت الكبة نيئة، وهي الأسهل تحضيرًا ، وأرفقت بأوراق النعناع العطرة، والبصل الأخضر، أم اليابس، مع التبولة ...فلا يبقى سوى تبادل الأنخاب .


