شيعة البقاع الأوسط : حصاد ما بعد الحرب

شيعة البقاع الأوسط : حصاد ما بعد الحرب

في قلب البقاع الأوسط، الممتد بين زحلة والكرك والفرزل وأبلح ورياق وحزرتا والنبي شيت وعلي النهري، تتبدّى صورة اجتماعيّة مغايرة لتلك التي يختزلها الخطاب السياسي السائد في ثنائيات الاستهداف والانقسام الطائفي. ففي هذه الرقعة الجغرافية، لم تنجح محاولات الاستثمار في التوترات المذهبيّة في تفكيك النسيج الاجتماعي أو زعزعة العلاقات اليوميّة بين المكوّنات الشيعيّة والمسيحيّة والسُّنية، إنّما على العكس تماماً، بقيت الجيرة والتكافل الاجتماعي ركيزتين ثابتتين في الحياة العامة، وترسّخ العيش المشترك كممارسة يومية، في تجسيد حيّ للمثل البقاعي القائل إنّ "أهالي البقاع يلتفّون حول بعضهم".
 
 ورغم هذه المتانة الاجتماعيّة، لم يكن البقاع الأوسط بمنأى عن تداعيات الحرب الأخيرة، إذ تعرّض لاعتداءات وقصف طال عدداً من بلداته. غير أنّ حجم هذه الخسائر لم يحظ بتغطية إعلامية واسعة قياساً بمناطق أخرى، ما خلق شعوراً لدى السكان بأنّ معاناتهم لم تُنقل دائماً بالصورة التي تعكس واقعها الكامل. إلاّ أنّ هذا الواقع لم يتحوّل إلى عامل انقسام داخلي، بقدر ما عزّز قناعة راسخة بأنّ التماسك الاجتماعي يشكّل خط الدفاع الأوّل في مواجهة الأزمات، وأنّ أي محاولات لإثارة الاحتقان الطائفي بقيت محصورة ومحدودة، ولم ترتق إلى مستوى الظاهرة العامة.
 
 وخلال جولة ميدانيّة أجرتها "كافيين دوت برس" في عدد من القرى ذات الغالبيّة الشيعية، بدت ملامح الحياة مستمرة رغم الأضرار، كما برز تمسّك سياسي واضح بخيارات "الثنائي الشيعي" القائمة منذ سنوات. وفي هذا الإطار، يشير الأستاذ الجامعي محمد عواضة إلى أنّ الهواجس الأمنيّة والاجتماعيّة التي تعيشها البيئة الشيعية في البقاع الأوسط تتقاطع إلى حدّ بعيد مع تلك السائدة في الجنوب والضاحية الجنوبية، باعتبارها بيئة واحدة تواجه تحديات متشابهة. غير أنّ الفارق، بحسب عواضة، يكمن في أنّ الاهتمام الإعلامي والسياسي بهذه المنطقة غالباً ما يأتي محدوداً، ولا يعكس دائماً حجم الضغوط التي تواجهها.
 

 التأثير السياسي لوحدة المجتمع

سياسياً، يوضح عواضة أنّ هذا الواقع الاجتماعي ينعكس تماسكًا انتخابيًّا واضحًا، إذ أظهرت انتخابات عام 2022 درجة عالية من الوحدة داخل البيئة الشيعية، وهو ما يُرجّح استمراره، وربما تعزّزه، في الاستحقاق النيابي لعام 2026. فالشعور المشترك بالتحديات، وفق تعبيره، يحوّل القلق الجماعي إلى عنصر تماسك لا إلى عامل تفرقة، ويجعل من الوحدة خيارًا نابعًا من الإحساس بالمصير المشترك أكثر ممّا هو اصطفاف سياسي ظرفي.

ويلفت إلى أنّ المرشح الشيعي في قضاء زحلة حصد في الدورة السابقة نحو 17 ألف صوت تفضيلي، وهو رقم مرشّح للاستقرار أو الارتفاع في الانتخابات المقبلة، معتبراً أنّ الاعتداءات وما رافقها من تهجير وسقوط ضحايا لم تؤدّ إلى تبدّل جذري في المزاج العام، بل عززت لدى شريحة واسعة قناعة مفادها بأنّ الثبات على الخيارات السياسيّة والعقائديّة، ولا سيّما في ما يتصل بالصراع مع إسرائيل، يُنظر إليه كجزء من موقف مبدئي لا يخضع للحسابات المرحلية.
 
 ويُشدّد الاستاذ الجامعي على أنّ شيعة البقاع الأوسط يستلهمون في مواقفهم نهج الإمام موسى الصدر، الذي أكّد مراراً على رفض الاحتلال الإسرائيلي واعتبر هذا الموقف مسألة أخلاقية ووطنية ثابتة، إذ من هذا المنطلق، يرى عواضة أنّ أي ضغوط سياسيّة أو إقليميّة لا يمكن أن تدفع هذه البيئة إلى تبديل قناعاتها الأساسية، لأنّ الأمر يتجاوز التكتيك السياسي إلى الالتزام المبدئي.
 

وعلى الرغم من بروز أصوات شيعيّة معارضة لـ"الثنائي الشيعي" في مناطق أخرى كجنوب لبنان والبقاع الغربي وبعلبك – الهرمل وجبيل، فإنّ حضور هذه الظاهرة في البقاع الأوسط بقي محدوداً، ولم ينجح في إحداث خرق ملموس في المزاج العام. فوفق الارقام الاخيرة  لوزارة الداخلية عن دورة انتخابات عام 2022، ببلغ عدد الناخبين في دائرة البقاع الأولى 183,425 ناخباً، من بينهم 30,415 ناخباً من الطائفة الشيعية، وهي كتلة انتخابية لم تشهد حتّى الآن أي تحوّلات جذرية في اتجاهاتها.
 وفي هذا السياق، يستشهد عواضة بحالة السيدة ديما أبو ديّة من بلدة الكرك، وهي شخصيّة شيعيّة معارضة وعضو في بلدية زحلة، إذ غالباً ما تترشح ضمن لائحة "القوات اللبنانية"، مؤكداً أنّ مثل هذه الحالات، على ندرتها، تُقابل عموماً باحترام، من دون ضغوط أو إقصاء، في دلالة على أنّ التعدديّة السياسيّة تبقى حقاً مشروعاً ضمن الأطر الديموقراطيّة. وقد حاول موقعنا التواصل مع أبو ديّة عقب هذا الكلام، إلاّ أنّ المحاولات لم تسفر عن رد.
 
 وبالنظر إلى الاستحقاقات المقبلة، يرجّح الاستاذ الجامعي أن يتجه الصوت الشيعي نحو درجة عالية من التماسك، مع احتمال تسجيل خروق محدودة مرتبطة بعوامل معروفة في الحياة الانتخابية، كدور المال الانتخابي، وهي ظاهرة لا تقتصر على فئة أو منطقة بعينها، بقدر ما تشكّل جزءاً من المشهد الانتخابي العام في قضاء زحلة.
 

أمّا في ما يتعلّق بتراجع مشاركة أبناء القرى الشيعيّة التابعة لبلدية زحلة في الاستحقاق الاختياري الأخير، والتي فسّرها البعض على أنّها رسالة سياسيّة، فيرى عواضة أنّ أسبابها تعود أساساً إلى عوامل إنمائيّة وإدارية، أبرزها شعور تلك القرى بالإهمال خلال ولاية رئيس البلدية السابق أسعد زغيب، إضافة إلى هشاشة التحالف البلدي الذي تشكّل في اللحظات الأخيرة على أساس مصالح ظرفية، ما أتاح لـ"القوات اللبنانية" الفوز بكامل المقاعد. وفي المقابل، ينقل عن عدد من الأهالي إشادتهم بمقاربة رئيس بلدية زحلة الحالي، سليم غزالة، التي تقوم على المساواة في تقديم الخدمات من دون تمييز بين بلدة وأخرى. 
 

في هذا المشهد البقاعي، حيثُ يتقدّم الانتماء المحلي والروابط الاجتماعيّة على الحسابات الضيقة، يبدو الالتفاف الشعبي خيارًا طبيعيًا في ظلّ الظروف الراهنة. ويعزّز هذا المشهد موقف وزير بقاعي سابق، حيثُ يُؤكّد لموقعنا أنّ "الثنائي الشيعي" شكّل، في نظر جمهوره، إطاراً سياسياً حاضراً إلى جانب الناس في مختلف المحطات، دون أن يُنظر إليه كعبء على المجتمع.
 
 ويرفض رفضاً قاطعاً توصيف واقع شيعة البقاع بكونه مهددًا وجوديًّا، معتبرًا أنّ أي تهديد من هذا النوع، إن حصل، سيطال مختلف المكوّنات بحكم طبيعة القرى المختلطة والمتجاورة، فابن أبلح أو الفرزل أو علي النهري أو رياق، بحسب تعبيره، لا يفصل بين أمنه وأمن جاره أي اعتبار طائفي، لأنّ الأرض واحدة والمصير مشترك.
 
 ويختم الوزير السابق حديثه بالتشديد على أنّ شيعة البقاع لم يكونوا يوماً مجرّد امتداد لإرادات خارجيّة وتحديداً خاضعين لإيران، إنّما التزموا تاريخياً نهج الإمام موسى الصدر، الذي عارض الاحتلال الإسرائيلي منذ وقت مبكر، حتّى في مراحل كانت فيها إيران في زمن الشاه موالية لإسرائيل. ويرى أنّ ربط البيئة الشيعيّة حكمًا بإيران يتجاهل واقع أنّ معظم القوى السياسية اللبنانية ترتبط بتحالفات خارجية، من دون أن يُختزل قرارها الوطني بهذه العلاقات وحدها.
 
 وهنا، في البقاع الأوسط، يبدو أنّ الخيارات السياسيّة لا تُصاغ تحت ضغط الخوف ولا تُفرض بالخطاب، بل تتشكّل من إدراك عميق بأنّ التماسك هو صمّام الأمان الوحيد في وجه الأزمات. 

 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس