مسيحيّو الحدود واتفاق الإطار بين الارتياح والشعور بالإحباط

مسيحيّو الحدود واتفاق الإطار بين الارتياح والشعور بالإحباط

يهتمّ اللبنانيون كثيرًا باتفاق الإطار الثلاثي، الذي وقّعت عليه الأطراف الثلاثة لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية في ٢٦ من حزيران الفائت. باعتباره مفصلًا مهًما في سير الأحداث، ويفتح نافذة عريضة إلى احتمالات مختلفة، ربما تفضي في النهاية إلى إيجاد حلول دائمة للمشكلة الحدودية الجنوبية المزمنة منذ بداية ستينات القرن الماضي. 

ولئن انقسمت آراء اللبنانيين حوله بين مؤيد ومعارض، وبين من يرى إمكانية تحقيقه واستحالته، يقف الجنوبيون الثابتون في أرضهم على الحدود تمامًا، موقف المرحب به بحذر من عدم القدرة على تطبيقه على أرض الواقع. وخشيتهم هذه تعود إلى تجارب ومحاولات سابقة اختبروها وفشلت جميعها في تثبيت وقف العمليات العسكرية لفترات طويلة.  من إتفاق الهدنة عام ١٩٤٩، إلى القرار ٤٢٥ الصادر عن مجلس الأمن عام ١٩٧٨، إلى اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣ الذي ألغي، إلى تفاهم نيسان ١٩٩٦، إلى القرار ١٧٠١ بعد حرب تموز ٢٠٠٦، إلى إتفاق الإطار للترسيم في تشرين الأول ٢٠٢٠، فإلى اتفاق الإطار الحالي. فجميع هذه التفاهمات لم تصمد ولم توضع موضع التنفيذ لاعتبارات وحسابات مختلفة، وهذا ما يجعل الجنوبيون يقلقون ويكادون فافدين للثقة من إمكانية تطبيق الإتفاق الحالي. 

موقع كافيبن دوت برس استمزج آراء بعض المقيمين في قراهم. 

طارق متى
 

طارق متى من عين إبل عبّر عن حالة القرف والضياع التي يعيشها القرويون الجنوبيون، فاتفاق الإطار يبدو أنه متعثّر ومقفل من عدة جهات. عقلنا وقلبنا مع رئيس الجمهورية والحكومة، ونتمنى السير في الخطوات السلمية، إذ بتنا نعيش حالة خوف وقلق على المصير. ونحن جزء لا يتجزأ من هذا البلد الذي نخاف عليه كلّه وليس على قرانا فقط. أمنيتنا أن نصل إلى مرحلة استقرار خالية من التوترات. ولكن هاجسًا يبقى يؤرقنا: كيف سيتم تنفيذ اتفاق الإطار؟ وهو هاجس مشروع نظرًا الى ما اختبرناه سابقا، ولما نرى من الظروف والمواقف المحيطة به حاليا. 

شربل لوقا
 

شربل لوقا من بلدة دبل، وهو رئيس إقليم بنت جبيل الكتائبي، اعتبر أن اتفاق الإطار الحالي هو خشبة الخلاص لنا ولكل الوطن. فبواسطته تستعيد الدولة شرعيّتها على أراضيها وتؤمن الإستقرار والطمأنينة لمواطنيها، وخاصة لنا أبناء القرى الحدودية الذين لم نعرف معنى الدولة منذ وعينا على هذه الحياة. 

وعن تفاؤله بإمكانية تنفيذ الإتفاق يقول" كنا نتمنى أن لا نصل إليه وأن لا تكون قد وقعت مسبباته. واليوم نعيش في حالة من الغموض، ولكن ما البديل وقد دمرت بيوتنا وأرزاقنا وتوقفت أعمالنا وخسرنا أعدادًا من مواطنينا. صحيح أننا صامدون في قرانا، صابرون على المحنة التي نمرّ بها، وأننا في صمودنا نشكّل جسر عبور لعودة الدولة إلى منطقتنا. ولكن إلى متى نستطيع أن نتحمل هذا الوضع، خاصة أننا خسرنا جيراننا التي أصبحت قراهم مدمرة تماما. من الممكن أن هذا الإتفاق لم يحصّل لنا كامل حقوقنا، ولكن لا بديل عنه لإنقاذنا". 

جاء اتفاق الإطار ليشكل ضوءًا في النفق المظلم الذي يعيش فيه أهالي القرى الحدودية الصامدة، وذلك بعدما غلبت عليهم الهواجس عن مصيرهم. صحيح أنهم يقيمون في منازلهم، ولكن في ظروف ضاغطة من كل الجوانب. فقد عادوا إلى الوقوع تحت سيطرة الإحتلال محاصرين، لا يستطيعون التنقل بسهولة من وإلى داخل وطنهم. وهم يقيمون في جزيرة معزولة بعد تدمير القرى المحبطة بهم ونزوح سكانها. وقد فقدوا معظم أعمالهم وضاقت بهم ظروف المعيشة، ولا وجود لمستشفى يعالج مرضاهم. حتى أصبح هناك خشية من أن يبدأ قسم من عائلاتها إلى مغادرتها إلى بيروت أو إلى المهجر، خاصة من جيل الشباب،  بعد أن تولّدت قناعة عندهم أن مستقبل منطقتهم غامض ومجهول وهو مستمر على سوءه لفترة طوبلة. وأن اتفاق الإطار، وإن كان يعتبر خشبة خلاص، إلا أنه خشبة في مهب الريح. 

كريم الحاج
 

وقد عبّر أحد أبناء رميش كريم الحاج عن هذا الواقع، فقال " رغم تكرار الإعلان عن وقف إطلاق النار، ما زلنا نعيش وكأن الحرب لم تتوقف يومًا. نشعر كأننا خارج حسابات الوطن، فمنذ العام ٢٠٢٣ لم يتغير شييء في واقعنا، وما زال الحصار يطوق حياتنا بكل تفاصيلها". 

نحاول أن نصمد، لكن الصمود ليس كلمة تقال، بل معاناة نعيشها كل يوم. هنا توقفت عقارب الساعة ولم تعد تدور إلا لتأمين لقمة العيش ونقطة الماء. حتى أننا أصبحنا كلّما سمعنا عن وقف لإطلاق النار، نشعر بالقلق بدل الارتياح. لم يعد لدينا عمل، لا مصالح، ولا مقومات حياة طبيعية. كل شيء معطّل، وكأن الزمن توقف عند حدود منطقتنا". 

 

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب