الوجود السوري في المنطقة الحدودية مستمر رغم الحرب
لعلّ من الأمور التي تثير الإستغراب، هي أن يصمد مئات من التابعية السورية في القرى الحدودية الجنوبية، وخاصة في بلدة رميش، على الرغم من الحرب التي عصفت بالمنطقة منذ تشرين الأول من العام ٢٠٢٣. والتي اشتدّت بعنف في جولتها الأخيرة منذ مطلع آذار، والتي كان من نتيجتها أن فرضت عزلة كاملة على هذه القرى، ناهيك عن الأخطار الأمنية التي أحدقت بها، وما رافقها من قلق على المصير. فعلى الرغم من هذه المخاطر، فضّلت عائلات سورية نزحت إلى المنطقة في أوقات سابقة مختلفة، أن تبقى فيها إلى جانب أهلها. ولكن حاليا فإن ظروفًا اقتصادية ومعيشية تدفع بقسم كبير منها إلى مغادرتها.
مراحل التواجد السوري في المنطقة الحدودية.
بدأ التواجد السوري في المنطقة الحدودية يظهر بوضوح في العام ٢٠٠٦. وكانت أسبابه الحاجة إلى اليد العاملة لإعادة الإعمار، نتيجة الدمار الذي حلّ في القرى الحدودية إثر حرب تموز من ذلك العام. وكانت استقبلت المنطقة أيضا أعدادًا من العراقيين وقليلًا من المصريين، غير أن أصحاب هاتين الجنسيتين سرعان ما اضمحلّ وجودهم، علما أن العدد الأكبر من العراقيين قد هاجروا إلى بلدان الغرب أو أستراليا، خاصة المسيحيين منهم.
غير أن أعداد السوريين قفزت في شكل كبير بعد عامي ٢٠١١ و ٢٠١٢، وذلك نتيجة الثورة والأحداث في سوريا. حتى أصبح السوريون يشكلون نسبة عالية من المقيمين، بلغت الثلث في بعض البلدات. ففي بلدة رميش بلغ عددهم حوالي الألفين قبل أحداث تشرين ٢٠٢٣، علما أن عدد سكان البلدة من المقيمين بلغ حوالي ستة آلاف.وقد تركّز عملهم في قطاعي البناء والزراعة، إضافة إلى بعض الأعمال الخدماتية.
فقطاع البناء شهد ما بين عامي ٢٠٠٦ و ٢٠٢٣ قفزة كبيرة. ففي بلدة رميش، على سبيل المثال، كانت تنجز سنويا حوالي ٦٠ رخصة بناء، وهذا ما تطلب أيد عاملة لم تستطع أن توفره اليد العاملة المحلية، مما حتّم الإستعانة باليد العاملة السورية.كذلك شهد القطاع الزراعي نشاطًا لم يعرفه من قبل. خاصة في زراعة التبغ الذي رعته الدولة ودعمته، وفي زراعة الزيتون الذي وصل إلى أقصى اتساعه في تاريخ المنطقة. حتى عجزت اليد العاملة المحليّة عن جني محاصيله، خاصة في اعتماد الطرق التقليدية المتوارثة في عملية القطاف، والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
الوضع بعد حرب ٢٠٢٣
شكّلت الحرب التي اندلعت منذ تشرين ٢٠٢٣، ضربة قويّة لسوق العمل في القرى الحدوديّة المعزولة. فهي قد أعدمت قطاع البناء وجميع المهن والنشاطات المتفرعة عنه. كذلك قلّصت النشاط الزراعي، بعد اقتلاع او احتراق آلاف أشجار الزيتون وغيرها من الأشجار المثمرة، والعديد من مزارع المواشي والدواجن. ومنع على المزارعين ارتياد أراضيهم الموازية للخط الأزرق، أو التي تقع في مناطق متوترة أمنيًا،والتي تشكل حوالي نصف الأراضي الزراعية تقريبًا
أمام خسارة فرص العمل هذه، بدأت أعداد السوريين تتقلص باطراد. مصدر في بلدية رميش قدّر عدد المتبقين منهم بما بين ٦٠٠ إلى ٨٠٠ شخص. وتوّقع المصدر أن يزداد النزوح السوري عن البلدة في الأسابيع المقبلة. علما أن الجيش اللبناني الذي يسمح لهم بمغادرة المنطقة، يمنع عليهم الدخول إليها.
أسباب بقاء السوريين في المنطقة
السؤال الذي يطرح، أنه مع اندلاع الحرب منذ حوالي ثلاث سنوات تقريبًا، وفقدان العديد من فرص العمل، ما الذي دفع بشريحة واسعة نسبيًا من السوريين للبقاء في المنطقة؟
هناك ظروف تهيأت لهم ومنها توفير الإستشفاء المجاني، خاصة من قبل مؤسستي فرسان مالطا وكاريتاس. وافاد مصدر في منظمة فرسان مالطا موقعنا، بأن مركز رميش وفّر الخدمة الصحية لحوالي ألف سوري مسجّلين لديه، من بينهم ٨٠٠ أقاموا في بلدة رميش وحدها. علما أن هذه الخدمات الطبية تشمل معاينات، وتوزيع أدوية، وإجراء فحوصات مخبرية عندما تسنح الفرصة لذلك.كذلك فتحت لهم مدرسة مجانية ابتدائية في متوسطة رميش الرسمية بدعم من اليونيسف. وكانت هذه المدرسة تضم ١٧٠ تلميذّا، من خمسة اعوام الى 12 عاما. انخفض عددهم في السنة الماضية إلى ١٤٠. وقد تقرر الإستمرار في فتحها للسنة الدراسية المقبلة. وتؤمن للتلاميذ كافة الحاجيات المدرسية مجانًا، إضافة إلى وجبة غذائية خفيفة مقدمة من منظمة التغذية العالمية.
وكانت كل عائلة سورية تتقاضى مبلغ ١٤٥ دولارا من برنامج الغذاء العالمي. غير أن هذه المساعدة توقفت لعدد كبير منها منذ ستة أشهر.
كذلك تلقت تلك العائلات، خلال الفترة الأخيرة، حصصًا من مساعدات غذائية، ومواد تنظيف، من برنامج الغذاء العالمي، وأطباء بلا حدود، ومنظمة unfpa، وتأمنت لهم حصتان عبر بلدية رميش.
والجدير ذكره هنا، أن الوضع الأمني أو السياسي، لم يكن له دور مباشر في التأثير على التواجد السوري في القرى المعزولة. فهم لم يتلقوا تهديدات أو إنذارات من أي جهة، ولم يعتبروا وضعًا خاصًا خارجًا عن إطار وضع جميع المقيمين في هذه القرى، وهم يعتبرون أنهم في حال واحدة مع الأهالي.
لاستطلاع وضعهم عن كثب، التقى كافيين دوت برس ربي عائلتين مقيمتين في بلدة رميش.


جدير بالذكر أن الغالبية الساحقة من السوريين المتواجدين في المنطقة الحدودية هم من مدينة دير الزور ومحيطها، حتى أن هناك من يذكر(على سبيل التندر أو الحقيقة)، أن صاحب حافلة النقل، يقف في إحدى ساحات دير الزور وينادي بأعلى صوته: "على رميش، على رميش".