موقع عماد المسيح في نهر الاردن: محجّة لعِشق روحيّ لا ينتهي

موقع عماد المسيح في نهر الاردن:  محجّة لعِشق روحيّ لا ينتهي

موقع عماد المسيح في نهر الاردن

 الاردن -

ينتاب المرء شعور عميق تتمازج  فيه الرهبة والخشوع والغبطة والصمت في آن حين تطأ اقدامه محيط المكان المقدس الذي تعمَّد فيه يسوع المسيح على يد القديس يوحنا المعمدان في نهر الاردن. يجتاح كيانه إحساس يصعب وصفه من روحانية الزمان الآتي من بعيد. بعد ألفي عام وربع قرن وعام  وكأنه اليوم ليثبت ان الزمن لا يمرّ عليه وعلى حالة العشق الروحية اللامتناهية . وإن تشتت النظر في روعة المكان وقدسيته، يسبح الفكر في التكهن إن مرّ الباري من هذه الدرب او تلك، او اتى من هذه الناحية من ذلك الوادي او من تلك ليعبر الى النهر ويَمنح بتعمده سر العماد الى المؤمنين. وهو  واقف على البحص في قعر المياه التي تنساب اليه شحيحة راهنًا، بشفافية وصفاء امكن رؤية الصغير منه  والاكبر بقليل في القعر الصافي بنقاوة، والمنساب في وداعة في تلك البقعة الرضيّة التي وقفت عليها قدماه، والمحاطة اطرافها بشجيرات ناصعة الخضرة يسرح  النظر في تميزها الناعم، وهي تُسوَّره  بمهابة، يفصل بينها ممر ضيق طويل للمشاة يؤدي نزولًا الى تلك البِركة، لتضفو على الذهن مشهدية المعمدان، وهو يسكب الماء من النهر المقدس على رأس المسيح ليُجدد الانسان في البشر. ليت المشهد يعود في تلك اللحظات ورؤيته آتيًا من الناصرة في الجليل الى وادي الخرار في بيت عنيا شرقي نهر الاردن لينال  المعمودية في إتضاع بين الجموع التي كانت اعتمدت بدورها، ثم يمضي ذاهبًا الى البرية في صحراء يهودا حيث مكث  40 يومًا مصليًّا وصائمًا. وكما الامس البعيد، ها هي الجموع تتقاطر اليوم وفودًا وفودًا  الى تلك المحجة، من مختلف الاعمار برز فيها العنصر الشبابي، قطعوا المسافات والاسفار للتبرُّك من رمزية المكان. ولا تلبث تلك اللحظات العالقة في النفوس، تبحث عن المسار الذي سلكه بعد تعمده لتتحدّ قدماه في الارض التي سلكوها، حيث اعلن بداية رسالته مع نزول الروح القدس على هيئة حمامة وسماع صوت الآب يقول" هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت"، مجسدًا التواضع الالهي في البشر. 

الطريق الى الموقع وزوار
      وهناك تخطر في البال كنيسة المهد في بيت لحم في الضفة الغربية التي تبعد بضع كيلومترات عن نهر الاردن، والمسيحيون في لبنان مُحرومون منذ نحو 75 عامًا من  زيارتها بسبب حالة العداء مع اسرائيل.

    تبعد الدرب المخصصة للوصول  الى "المغطس"، وفق تسمية الاردن المكان المقدس مسافة تقلّ عن كيلومتر يجتازها الزائر سيرًا. مصممة من الباطون بعرض المتر ونصف المتر تقريبًا، ممنوعة على مرور السيارات، ولا تتسّعها. وفي الطريق يُسمع خرير مياه صافية تجري في ساقية طويلة المدى. ترافق مسيرة الزائر في وادي الخرار.وتشكل امتدادًا يؤدي الى نهر الاردن. هي ينبوع تتدفق فيه المياه في بركة صغيرة لتجري في الساقية المديدة حيث تغطي الاشجار فضاءها، قيل انه جرى غرسها في تلك المنطقة حفاظًا على الصبغة البرية فيها.

كنيسة ارمنية من مجموعة الكنائس في وادي خرار
وقبل الوصول الى الدرب المؤدي الى المغطس تتراءى كنائس عدة الى اليمين مبنيّة في تقارب نسبيّ، صغيرة الحجم ، شُيّدت في فسحة كبيرة  تمثّل كل منها مذهبًا من المذاهب المسيحية من انحاء العالم، دشّن احداها البابا بنيديكتوس عام 2009. وزار الموقع المقدس وصلّى فيه ثلاثة باباوات آخرين بولس السادس عام 1964، يوحنا بولس الثاني عام 2000. وتتوزع له ثلاث لوحات من الموزاييك في موقع العماد ، احداها يتوسط الملك الاردني وعقيلته الملكة رانيا. وفي تلك الزيارة اعلنه مكانًا للحجّ المسيحيّ، مع مزار مار الياس المعروف بالنبي ايليا الذي عُرف بشجاعته بالدفاع عن عبادة الله ومحاربة الوثنية. وصعد الى السماء حيًّا في عربة من نار في حضور النبي اليشع. والجميل الحفاظ على هذا المكان الذي صعد منه الى السماء مصونًا ومسورًا في شكل دائري لأرض من الباطون على مقربة من تلك الكنائس ظاهرة للعيان. ثم جبل نيبو حيث يعتقد ان موسى توفى عليه بعدما وعده الله بأرض المَعاد، ولم يتحقق وعده لتشكيكه بكلامه، وسيدة الجبل في عنجرة، وقلعة مكاور. 

مجمل هذه المنطقة المقدسة يمتدّ على مساحة ثمانية كيلومترات مربعة ونصف في شمال بحر الميت المنخفض 400 مترًا عن سطح البحر.وقد ادرجت على قائمة التراث العالمي عام 2015 ، وسُميت" موقع المعمودية"، بعدما أُعلنت محمية تراثية.

ويبقى ما لفت من الحفاظ على النظافة في الموقع وعلى دربه وإهتمام المملكة الهاشمية الاردنية به إهتمامًا بالغًا ما ساعد على بقاء هذه الرقعة وتحوّلها محجّة روحية للمسيحيين.

نبع مار يوحنا على طريق موقع العماد

اقرأ المزيد من كتابات كلوديت سركيس