من بلد الثروة إلى الانهيار: زغرتاويّون يروون تجربتهم مع فنزويلا

من بلد الثروة إلى الانهيار: زغرتاويّون  يروون تجربتهم مع فنزويلا

كنت احمل 3 شوالات بوليفار لأحصل على 150 دولار"، جملة اعتاد اللبنانيون ان يسمعوها من المغتربين الفنزويليين الذين عاشوا الضيقة في بلد نفطي بامتياز والذي تدحرجت عملته الوطنية وأدت الى انهيارات اقتصادية واجتماعية ومعيشية، وقلبت حياة الناس رأسًا على عقب، ودفعت بالكثيرين إلى حزم حقائبهم والعودة محمّلين بالخسارة والحنين معًا.

في أواخر 2011، توجه سايد النمر إلى فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز، وكان الوضع حينها مقبولًا نسبيًا. إلا أنه بعد وفاة تشافيز وتولي نيكولاس مادورو السلطة، يقول سايد " بدأت الاوضاع تتدهور تدريجيًا، إذ لم يكن مادورو قادرًا على إدارة الأمور بفعالية نتيجة قلة خبرته".

سايد النمر
ويضيف "تدهور الوضع الاقتصادي في شكل كبير، وكانت أسعار المواد الأساسية خيالية مقارنة بالدخل، وأصبح التعامل بالدولار صعبًا. كما تأثر الوضع الاجتماعي، واضطر بعض المواطنين للسرقة نتيجة الفقر".

ويتابع "كنت أحمل 3 شوالات بوليفار، وزن كل شوال 50 كلغ لأحصل على 150 دولار".

ويشير سايد الى انه كان يملك مؤسسة تضم خمسة عمال، يدفع لهم 50 دولارًا بينما كانت معظم الرواتب لا تتجاوز 5 أو 10 دولارات، ما صعّب إدارة العمل وسط الغلاء. ويقول "أُغلقت مصالحنا في فنزويلا بسبب نقص المازوت والبنزين، ما أثر على النشاط الاقتصادي العام. حتى المساكن كانت تعاني اذ انني بنيت منزلي بـ120 ألف دولار، لكن محاولة بيعه كانت صعبة اذ عرضوا عليّ 80 ألفًا لبيعه لكنني رفضت. أما بالنسبة الى التعليم والصحة والخدمات فكان هناك تراجع كبير ايضًا بسبب هجرة النخبة من المعلمين والأساتذة والاطباء، وكل هذه العوامل ساهمت بعودتي الى بلدي".

ويختم "رغم ذلك، تظل فنزويلا من أعظم دول العالم لما تملكه من ثروات طبيعية هائلة مثل النفط والحديد واليورانيوم والألومنيوم والنحاس والذهب. واليوم، يطمح الناس إلى التغيير، ومن يعرف كيف كانت البلاد وكيف أصبحت، يدرك حجم الأمل في عودة فنزويلا إلى ازدهارها واستعادة السياحة والحياة الأفضل فيها".

على اختلاف وجهات النظر حيال الأوضاع السياسية في فنزويلا، تبقى القواسم المشتركة بين الجميع أنّ هذا البلد يستحقّ الأفضل. فنزويلا التي عانت ولا تزال تعاني، لا سيّما بعد التطوّرات الأخيرة التي هزّت الاستقرار والأمن فيها، تستحقّ الوفاء والإهتمام.

رفيق الدرجاني
المواطن الزغرتاوي الفنزويلي والمتواجد حاليًا في بلدته رشعين، والخبير في الشؤون اللاتينية المهندس رفيق الدرجاني، يقول إنّ الاقتصاد الفنزويلي اعتمد حتى عام 2014 في شكل أساسي على النفط، مستفيدًا من ارتفاع أسعاره ما أتاح تنفيذ برامج اجتماعية شملت بناء مساكن للفئات المحرومة ومشاريع بنى تحتية.

ويضيف أنّ "تراجع أسعار النفط على خلفية الصراع بين الولايات المتحدة وبعض دول الخليج إلى جانب الحصار والعقوبات الأميركية التي طالت قطاع البترول، أدى إلى تفاقم الأزمة، لا سيما مع انهيار العملة الوطنية، ما تسبب بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وزيادة نسب الفقر والعنف، وخلل في التركيبة الاجتماعية. إلا أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحسنًا نسبيًا نتيجة السعي إلى تنويع الاقتصاد".

ويشير إلى أنّ "التحول الجوهري كان قد بدأ مع الرئيس هوغو تشافيز بعد تأميم قطاع النفط، ما أدى إلى محاولات انقلاب بدعم أميركي، رغم ما قدّمه من خدمات اجتماعية واسعة".

ويعتبر الدرجاني أنّ "أي محاولة لفرض تغيير خارجي اليوم لن تكون في مصلحة فنزويلا، في ظل وقوف الجيش والمؤسسات إلى جانب النظام، محذرًا من فوضى محتملة". ويختم بالقول "أنا مواطن زغرتاوي أحمل الجنسيتين اللبنانية والفنزويلية، وارتباطي بفنزويلا هو التزام ووفاء. كنت ناشطًا سياسيًا وعضوًا في اللجنة المركزية لأحد الأحزاب، ومرشحًا لنيابة أميركا الجنوبية، كما كان لي برنامج إذاعي وأبحاث اقتصادية منشورة. أفتخر بمشاركة عائلتي في خدمة هذا البلد، إذ تولّت شقيقتي ايضًا منصب نائبة وزير وزارة الإعمار في فنزويلا التي بنت نحو أربعة ملايين وحدة سكنية. في فنزويلا جذورنا وأهلنا وأعمالنا، ولسنا عابرين فيها. وأدعو المغتربين إلى التزام جدي ووفي تجاه البلدان التي يعيشون فيها".

باقون في فنزويلا

ديانا غسطين.jpg 147.66 KB
" حتى الان، لا شيء يدفعني للعودة الى لبنان، الا اذا تدهور الوضع الامني" وكأن التمسك بهذا البلد هو تمسّك ينبع من القلب، تمسّك ببلد جميل وشعب طيّب، تشير الى ذلك الإعلامية ديانا غسطين، المقيمة حاليًا في كاراكاس مع زوجها، وتقول " انّ فنزويلا بلد يتمتّع بطبيعة جميلة وشعب طيّب"، لافتةً إلى أنّ "الحياة فيه تسير في شكل طبيعي، حيث يذهب الناس إلى أعمالهم ويمارس كل شخص روتينه اليومي كأي مكان آخر".

وتوضح أنّ "العقوبات الأميركية الشديدة والمتعدّدة كان لها أثر بالغ على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيّما خلال الأشهر الماضية، مع تشديد الحصار وإقفال المجال الجوي الفنزويلي، ما أدّى إلى ارتفاع معدّلات التضخّم وتراجع قيمة العملة الوطنية، البوليفار، أمام الدولار الأميركي، الأمر الذي انعكس غلاءً كبيرًا في أسعار السلع وارتفاعًا غير مسبوق في كلفة المعيشة".

وتضيف أنّ "الشعب الفنزويلي، بطبيعته القريبة من الشعب اللبناني، يتميّز بقدرته على التكيّف مع مختلف الظروف، مشيرةً إلى أنّ الناس لا يزالون حتى اليوم يتحمّلون الواقع الاقتصادي الصعب، على أمل ألّا تطول الأزمة وأن تبدأ مرحلة الانفراج قريبًا".

وفي ما يتعلّق بالعودة إلى لبنان، تؤكّد غسطين أنّها لا تفكّر حاليًا بالاستقرار فيه، على أن تبقى الزيارة السنوية أمرًا مؤكدًا، لافتةً إلى أنّ "العامل الوحيد الذي قد يدفعها إلى العودة النهائية هو تدهور الوضع الأمني وانعدام الشعور بالأمان، ولا شيء غير ذلك".

اقرأ المزيد من كتابات اوديت همدر