زغرتا والقطاع الاستشفائي: تعدّد في المؤسسات وتحدّيات في الإمكانات

زغرتا والقطاع الاستشفائي: تعدّد في المؤسسات وتحدّيات في الإمكانات

ظروف اقتصادية ضاغطة، مواطن يعاني يوميًّا، كلفة استشفاء مرتفعة، والأمراض من كل حدب وصوب لا ترحم أحدًا. كيف يمكن القول أنّ الوضع جيّد في حين أنّ القدرة الماديّة لا تكفي حتى لدخول قسم الطوارئ، فكيف إذا كان الدخول لعدّة أيام؟ عندها يكون الوضع كارثيًّا، كما تروي الفئات غير الميسورة التي تجد صعوبة كبيرة في تأمين أبسط حقوقها الصحيّة. وكم هو مؤلم عندما يعجز المريض وعائلته عن تأمين علاج معيّن فقط لعدم القدرة على دفع تكاليفه، فيتحوّل المرض من حالة صحيّة الى هاجس دائم يلاحق المواطن، بين خوف من المرض وخوف أكبر من الفاتورة. إنّ صحة الانسان ليست امتيازًا بل هي حقّ لا يجوز التفريط به. وأمام هذا الواقع القاسي ومع غياب الدعم اللازم للمستشفيات تتفاقم الأزمة أكثر ليبقى المريض هو الضحيّة الأولى والأخيرة.

في قضاء زغرتا، تعدّدت المستشفيات ولكن التحدّيات تبقى، والصعوبات لا مفرّ منها في بلدٍ كثرت فيه الأزمات الّا أنّ التطوير الدائم هو الهدف الاساس وهو الذي يضمن استدامة الخدمات.

غرازيللا فنيانوس عاقلة
مديرة العلاقات والتواصل في مركز الشمال الاستشفائي غرازييلا فنيانوس عاقلة والتي تولّت مهامها منذ تأسيسه عام 1996 تقول أنّ "المركز يؤدّي دورًا محوريًا كمستشفى جامعي يقدّم خدمات طبية شاملة مع إهتمام خاص بالحالات الصعبة، ولا يقتصر دوره على العلاج فقط، بل يشمل التوعية الصحية والوقاية عبر منصة الطب الوقائي. كما يقدّم خدمات طبية منزلية وتطوير مستمر للأقسام".

وتضيف "يتمتّع المركز بجهوزية لاستقبال حالات الطوارئ، وقد برز ذلك خلال أحداث نهر البارد وجائحة كورونا، فضلًا عن إنشاء مهبط للطائرات لتسريع عمليات نقل المرضى عند الحاجة، كما يولي المركز أهمية للحالات الإنسانية، ويتعامل بمرونة مع المرضى غير القادرين على تحمّل كلفة الإستشفاء".

وتلفت الى أنّ "المركز لا يستفيد من مساعدات لكنه يواصل تطوير تعاقداته مع الجهات الضامنة كما يعمل على استقطاب أطبّاء جدد وتعزيز الطاقم التمريضي وتطوير كفاءة الطاقم البشري عبر الاتفاقيات مع الجامعات والكليات والتدريب الطبي المستمر، واعتماد تقنيات حديثة تواكب حاجات البيئة الصحية".

وتختم بالتّشديد على أهمية ضمان إستدامة هذه الخطط، بما يضمن استدامة الخدمات والمسؤولية الاجتماعية.

 

تبقى رغبة المستشفيات في التطوير والتجهيز التحدّي الأكبر، غير أنّ التكاليف المرتفعة لا تشكّل عبئًا على المستشفيات وحدها، بل تطال أيضًا المواطن الذي يجد نفسه مضطرًا لتحمّل جزء من هذا العبء، رغم ضيق أوضاعه المادية.

الدكتور قيصر معوض
يقول رئيس مجلس إدارة "مركز العائلة الطبي" الدكتور قيصر معوض أنّ "المركز كغيره من المستشفيات الخاصة في الأطراف يعتمد على رأسمالنا الشخصي دون أي دعم من جمعيات داخلية او خارجية ما يفرض علينا تأمين سيولة دائمة وكافية لمواكبة التطورات وشراء المعدات الطبية الباهظة وتأمين الأدوية والمحروقات والأجور وتكاليف الضمان في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة".

ويتابع "إنّ ارتفاع نسب التشغيل يزيد المصاريف ومستحقات المؤسسات الضامنة لتبلغ أرقامًا كبيرةً  يُصعب تأمينها"، مشيرًا الى ان التحدي الكبير هو رغبتنا بتطوير التجهيزات كما تدريب الموظفين وتحسين الخدمات من ناحية، وصعوبة تأمين السيولة من ناحية أخرى.

ويشير الى أنّ "الأزمة الاقتصادية تركت بصماتها السلبية على مؤسستنا ودمرت الكثير من أحلامنا ولا ننسى هجرة الكفاءات من أطباء وممرضين وإقفال بعض الأقسام لعجزنا عن ايجاد كادر بشري ذات كفاءة عالية، اضافةً الى العبء الكبير الناتج عن تجديد المعدات والتي تُعدّ صيانتها مكلفة جدًا ما ينعكس على المستشفى، وعلى المرضى الذين يتحملّون جزءًا من هذا العبء في ظل تراجع إمكاناتهم المادية".

ويعتبر أنّ "الحل يبدأ بتحقيق استقرار دائم ما يحسّن الدورة الاقتصادية على كافة المستويات ويدعم القطاع الصحي والتمريضي، مشدّدًا على ضرورة الاسراع بدفع مستحقات المستشفيات والأطباء بما يتيح لهم الاستمرار بأداء مهامهم".

 

لا شكّ أنّ تعدّد المستشفيات في قضاء زغرتا يترك اثرًا ايجابيًا على المجتمع والمواطنين، اذ يساهم في تخفيف الضغط عن كلّ منها. كذلك لا يمكن إنكار الدّور الاساسي للمستوصفات من خلال الاطباء الاكفاء العاملين فيها، إضافة الى جهودها في تأمين الأدوية، الى خدمة المرضى والاهتمام بأوضاعهم وحالاتهم الصحية. غير أنّ الاهم يبقى في التّعاون والتّنسيق بين هذه المؤسسات، لما لذلك من دور أساسي في تعزيز فعاليتها وتفعيل عملها بما يصبّ في مصلحة المواطن أولًا.

اسامة اللبيان
في هذا الإطار يوضح المدير المالي والإداري في مستشفى سيدة زغرتا الجامعي أسامة اللّبيان أنّ "المستشفى يعمل في ظروف صحية واقتصادية صعبة، ويواصل أداء رسالته الإنسانية رغم التحديات"، مشيرًا الى ان "تعدّد المستشفيات في المنطقة يُعدّ أمراً بالغ الأهمية، إذ يخفف الضغط عن كلّ مؤسّسة صحية، ويؤمّن للمرضى خيارات علاجية متعددة، كما يساهم في تحسين جودة الخدمات، وهذا التعدّد يعدّ نقطة قوة في قضاء زغرتا و يفسّر استقطاب المرضى من كل مناطق الشمال".

ويشير الى أنّ "التّعاون بين المستشفيات في المنطقة لا يرتقي الى المستوى المطلوب فهو يقتصر على تحويل بعض الحالات التي تتطلب اختصاصات أو تجهيزات غير متوفرة وهذا ما يسبّب ضغطا اضافيّا على مستشفى سيدة زغرتا نتيجة توفّر جميع الاختصاصات والقدرة الاستيعابية الكبيرة خاصة في أقسام العناية المركزة ما يؤدي الى زيادة طلب تحويل المرضى إليه".

ويقول "يواجه المستشفى تحدّيات أبرزها النقص في الموارد المالية، وارتفاع كلفة التشغيل والمستلزمات الطبية، وصعوبة تأمين الكوادر الطبية والتمريضية الكفوءة، إضافة إلى تزايد عدد المرضى غير القادرين على تحمّل كلفة العلاج، في ظل تدنّي تقديمات المؤسسات الضامنة وبطء التّحصيل. وفي المقابل، يواصل المستشفى العمل على تحسين جودة خدماته من خلال تحديث التجهيزات الطبية، وتطوير البنية التحتية، وتدريب الكادر الطبي والتمريضي، وتعزيز التعاون مع الجهات الداعمة والمؤسسات الضامنة والمنظمات المحلية والدولية، بما ينسجم مع رسالته كمؤسسة غير ربحية تابعة لرعية إهدن – زغرتا وتعمل تحت شعار "خدمة الانسان كلّ انسان".

 

من المستشفيات الخاصة إلى المستشفيات الحكومية قد يختلف الوضع، فكيف إذا كان المستشفى حكوميًّا ويقع في منطقة جبلية، كما هو الحال بالنسبة الى مستشفى إهدن الحكومي، الذي يواجه تحديات إضافية تتعلق بالموقع الجغرافي، ونقص الإمكانات مقارنةً بالمراكز الطبية في الساحل.

الدكتور ابرهيم مقدسي
نقيب اطبّاء لبنان – طرابلس ورئيس مجلس ادارة ومدير مستشفى اهدن الحكومي الدكتور ابراهيم مقدسي يقول أنّ "مستشفى اهدن هو المستشفى الحكومي الوحيد في قضاء زغرتا، أُنشىء عام 2002 ومرّ بفترات ناشطة، ومن المعروف أنّ اهدن خلال فصل الصيف تستقبل حوالي الـ 40 الف مصطاف. ويضيف "انّ المستشفى الذي استلمته ادارة جديدة في أيلول 2024 كان شبه مقفل اذ كان يعمل صيفًا فقط، أمّا اليوم فيضمّ قسم طوارىء، مختبرًا وأشعة وتصوير بالموجات فوق الصوتية، ويقوم بالامكانات المتاحة بمعالجة الحالات الطارئة، على ان تُحوّل الحالات التي تستدعي دخولًا، الى مستشفيات أخرى بالتنسيق معها بعد استقرار وضع المريض.

ويشير الى انّه "بدعم من وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين الذي أطلق حملة واسعة لتجهيز المستشفيات الحكومية، استطعنا كإدارة إعادة مستشفى اهدن الى خارطة المستشفيات الحكومية بعد توقف شبه تام دام نحو 10 أعوام، ويتمّ حاليًّا تجهيزه بمعدات حديثة لإعادة تشغيل غرفة العمليات لإجراء العمليات الوسطى وجراحة اليوم الواحد، على أمل أن يصبح القسم جاهزًا في ربيع 2026."

ويقول "يضمّ المستشفى أطباء وجهاز تمريضي من أصحاب الكفاءة والخبرة ونحن على تنسيق دائم مع المستشفيات الخاصة في هذا المجال وفي مجالات أخرى مثل عملية نقل المرضى، كما نسعى الى تأمين الكادر البشري اللازم لمواكبة التجهيزات الحديثة، إضافة الى تكفّلنا بنقل الموظفين من زغرتا شتاءً، لافتًا الى حاجة المستشفى لمواكبة لوجستية تشمل برنامج إدارة متكامل، مولّد كهربائي كبير وإعادة تجهيز وتطوير غرفة العمليات وأقسام العزل.

اقرأ المزيد من كتابات اوديت همدر