بين الماضي والحاضر المطبخ اللبناني يروي حكاياته

بين الماضي والحاضر المطبخ اللبناني يروي حكاياته

من الكبّة الزغرتاوية إلى الكمونة الجنوبية، من الشمال إلى الجنوب، يبقى المطبخ اللبناني واحداً من أشهى المطابخ على الإطلاق ولكن "لا بدّ من أيادٍ تحمل الأمانة".

لم يَعد حضوره محصورًا داخل لبنان فحسب، بل تحوّل إلى ترند عالمي، وخطف أنظار الملايين بفضل مؤثّرين نقلوا وصفاته الشهية إلى منصات التواصل الاجتماعي. وبين الأمس واليوم تغير الكثير، لكن النفس اللبناني الأصيل بقي الأساس والركيزة.

مرتا والطعام الزغرتاوي

23.jpg 248.5 KB
مع السيدة الزغرتاوية مارتا ساروفيم إيليا، يعود كل لبناني يسمع قصتها إلى الزمن الجميل: زمن الجرن، زمن البركة، زمن النفس الطيّب، زمن اللّمة، زمن كان فيه الأكل بلدي، من القلب إلى القلب، حكاية تُروى على لسان كل من تذوّقه، ليبعث في غيره الشغف والحماس للتجربة والتذوّق.

بدأت مرتا رحلتها من مطبخ والدتها الراحلة، التي كانت تتقن إعداد الأكلات على أنواعها، فتعلمت منها أصول المطبخ التقليدي، من دقّ الجرن إلى أدق تفاصيل الوصفات التي تشكّل اليوم جزءًا من الذاكرة.

وتشير مرتا إلى أنّ التحول الفعليّ في مسيرتها حصل منذ نحو ٢٠ عامًا، عندما بدأت، برفقة أولادها، بتقديم عروض طبخ (Live Show) على الجرن في عدد من المناطق اللبنانية. ومن هناك، انطلقت المسيرة لتتزايد الطلبات ويكبر الاسم خطوة بعد خطوة.

لكن الطريق لم يكن سهلاً فمع توسّع العمل، واجهت مرتا واحدة من أصعب المراحل، تمثّلت بالضغط الكبير الناتج عن طلبات الشركات الكبرى التي أعجبت بـ"اللقمة الزغرتاوية الطيبة" بعد تذوّقها، مثل "القراص، الكبة على أنواعها، الكبة النية، الرز عَ دجاج، كبة الحمص، المجدرة بلوبية الجردية، الفوارغ وورق العنب"، وكلها تُحضّر "على الأصول" وبمكوّنات بلدية.

وتلفت إلى أنّ شغف الطبخ لم يبقَ مجرّد هواية، بل تحوّل إلى مشروع عمل متكامل، عبر فريق جرى تدريبه، ومنه من شقّ طريقه في هذا المجال. 

وتتابع مرتا "اليوم بات لدينا اسم واضح، إدارة، هدف، وعمل يتوسّع يومًا بعد يوم".

وعن المرأة الزغرتاوية، تقول "إنّها امرأة قوية بطبيعتها، وقوّتها تتجلّى في قدرتها على الجمع بين شؤون بيتها، تربية أولادها، والعمل في آنٍ واحد، وهو أمر يتطلّب ثباتًا ومثابرةً وإيمانًا حقيقيًا بقدرة المرأة على النجاح".

 

في ما يتعلّق بالشباب وصنّاع المحتوى، تؤكّد مرتا دعمها لكل من يروّج المطبخ اللبناني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرة أنّ ذلك يساهم في نشره عالميًا. وتشير إلى أنّ المطبخ اللبناني من أكبر مطابخ العالم، لافتةً إلى امتلاكها صفحة تعمل على تفعيلها، ومتابعتها لبعض المؤثّرين عبر ابنها، بحيث دعتهم إلى الاستمرار بهذا المشروع لما يحمله من نجاح، وحفاظ على التراث والهوية، كما يشكل فرصة للعمل والنمو والتطور. وترى مرتا في هذه الوصفات مرجعًا مفيدًا للسيدات اللواتي لا يتقنّ الطبخ، وللمغتربين والشباب الباحثين عن صلة بالمطبخ اللبناني.

وتعبّر مرتا عن أملها باستمرار المطبخ الزغرتاوي واللبناني، مؤكدة حرصها على نقل هذا الإرث وتعليمه، مشدّدة على أنّ الطعام جزء أساسي من الهوية التي لا بدّ من الحفاظ عليها عبر أيادٍ تحمل الأمانة خصوصًا لدى الجيل الشاب.

 لا شك ان وسائل التواصل الاجتماعي فتحت المجال أمام الجميع لنشر محتواهم، واضعةً الأفراد أمام تحدّي النجاح أو الفشل، المرتبط أساسًا بجودة المحتوى وقدرته على التأثير.

 

محمد عثمان : الطعام رائحة البلاد

لكن ماذا لو كان المحتوى نابعاً من الحنين؟ حنين لأشخاص رحلوا إلى دار الحق، فيتحوّل النشر إلى فعل مواساة للذات، من خلال شغف بالطبخ وما ورثناه من وصفات وذكريات.

33.jpg 106.34 KB
من أبوظبي، يروي الشيف محمد عثمان، الذي تخطّى عدد متابعيه عتبة المليون، قصته مع الطبخ قائلاً إن "فكرة المحتوى وُلدت من الغربة والحنين، حين يصبح الطعام رائحة البلاد، وأقرب وسيلة للتخفيف من ألم البعد".

 

ويتابع "ارتكزت تجربتي على صورة جميلة قادرة على جذب الشباب، وعلى تبسيط الوصفات وإثبات أنّ الجميع قادر على الطهي متى توفّر الشغف والمكوّنات الصحيحة. أما الصدق، فكان الأساس، إذ جاء المحتوى عفوياً بعيدًأ عن التكلّف".

ويضيف "في هذا المشوار تبقى والدتي الراحلة الركيزة الأولى. فهي لم تعلّمني الطبخ فحسب، بل زرعت الأمانة في كل طبق. وصفاتها بقيت الدستور، ولمساتها السرّ الذي منح الطعام طعمه وذاكرته، ليصبح المحتوى تحيّة دائمة لروحها ووفاءً لاسمها".

ويشير الى ان النجاح لم يأتِ سريعاً، والوصول إلى مليون متابع احتاج إلى صبر طويل. لكن النقلة الحقيقية تحققت عندما تحوّلت الوصفة إلى قصة، أعادت المتابعين إلى بيوتهم وذكرياتهم، فكان الرابط العاطفي هو سرّ الانتشار. ومع الوقت، تغيّرت نظرة الشباب الذين اعتادوا على الاكل الجاهز وعادوا يفتخرون بطبخ أكلات بيتهم، خصوصاً في الغربة. أما الرضا الحقيقي، فكان في بناء جسر دائم مع لبنان من أبوظبي، وإثبات أنّ المطبخ اللبناني قادر على حمل الوطن في القلب أينما كان. 

ويختم بالقول "يبقى طبق "الكبة بلبن" هو الطبق الذي يعيد لي الطفولة والحضن الدافئ. وتبقى الدنيا بخير ما دامت روائح الطبخ لا تزال تخرج من بيوتنا".

 عاصي : الكمونة والزعتر الجنوبي

233.jpg 291.04 KB
الطبخ ليس مجرّد هواية، فالهواية قد تتلاشى.  الطبخ هو شغف، وعطاء قبل أن يكون وصفة، ونشر المقادير بروح صادقة. أمّا من يسعى إلى الشهرة وحدها، فلن يستطيع الاستمرار.

أختصاصية التغذية وصانعة المحتوى الجنوبية سارة عاصي تروي قصتها مع الطبخ، الشغف الذي شكّل هويتها وجعلها أقوى من كل الظروف.

 وتقول أنّ بدايتها كانت منذ الطفولة، إذ تعلّمت الطبخ من والدتها وجدتها، لافتة الى أنه لم يكن هواية فقط بل شغف وعلم دفعها إلى الاستمرار والتطوير.

وتشير الى أنّ حبها لتذوّق الأكلات وتجربة كل جديد، إضافة إلى فضولها الدائم وسؤالها عن الوصفات، شجّعها على إنشاء صفحة خاصة بها، تحوّلت لاحقًا إلى عمل حقيقي في مجال تقديم الوصفات.  وتضيف "كان للكمونة، الطبق البسيط والشهي الذي يشبهني ويشبه الجنوب والزعتر الجنوبي الذي يعدّ من اطيب أنواع الزعتر دور أساسي في تعريف الناس على المطبخ الجنوبي".

وتلفت الى أن دعم العائلة والأصدقاء شكّل نقطة مفصلية في مسيرتها، مشيرةً إلى أن انتشار صفحتها يعود لصدقها وتقديمها ما تحب من القلب. وتقول "عملت شي من ولا شي"، معتبرةً أن صفحتها مساحة مفتوحة لكل من يرغب بالتعلّم دون فرض أو إزعاج.

وتؤكد أن الطبخ جزء لا يتجزأ من شخصيتها هو "حب وروح وشغف سارة"، وأن تطورها المستمر نابع من إيمانها بما تقدّمه لا من السعي إلى الشهرة، كما شدّدت على أهمية الحفاظ على الأكلات التقليدية اللبنانية بوصفها جزءًا من الهوية.

وعن أصعب تجربة مرّت بها، تستعيد سارة خسارتها لمنزلها ومطبخها، الذي كان حلمًا عملت لسنوات على بنائه ليشبهها في أدق تفاصيله، قبل أن تدمّره الحرب الأخيرة. ورغم عمق الألم، لم تُبعدها هذه الخسارة عن الطبخ، بل منحتها دروسًا لا تُنسى. 

وتختم سارة بتوجيه رسالة لكل امرأة بأن تؤمن بنفسها وقدراتها، مؤكدةً أنّ الشغف الحقيقي حين يُقدَّم بحبّ يصل إلى الناس، ويصنع فرقًا وسعادةَ وفرحًا.

اقرأ المزيد من كتابات اوديت همدر