"كأنّنا نراها للمرّة الأولى".. زحلة استعادت ذاكرتها على ضفاف البردوني
مع اقتراب الساعة السابعة مساءً من يوم التاسع عشر من حزيران، كانت البردوني تبدو مختلفة عن أي يوم مضى. فعلى امتداد الطريق المؤدي إلى المدخل الجديد، توهّجت أضواء الموقع دفئًا على الأشجار وضفاف النهر، فيما بدأت الوفود تتوافد من زحلة وبيروت ومختلف المناطق اللبنانية. سيارات توقّفت تباعًا، وضيوف يترجلون منها، وأحاديث جانبية تتناثر بين الحاضرين، فيما التقطت عدسات الكاميرات صورًا لمشهد لم تألفه المدينة منذ سنوات طويلة.
في تلك اللحظات، لم يكن الانطباع الأوّل أنّ الحاضرين يقصدون حفل تدشين اعتياديًا لمشروع بلدي، إنّما بدا وكأنهم يشاركون في استعادة جزء من ذاكرة زحلة نفسها. فالمكان الذي لطالما شكّل بوابة المدينة السياحية وواجهة حضورها في الوجدان اللبناني، عاد ليحتل~ المشهد من جديد بعدما أمضى سنوات طويلة تحت وطأة الإهمال والتراجع.
بين الحشود التي أخذت تتجمّع تدريجيًا، كان كثيرون يتوقفون عند تفاصيل الموقع الجديد، يتأملون المشهد العام، ويقارنون تلقائيًا بين الصورة الحالية وما كانت عليه المنطقة قبل أشهر قليلة فقط. بعضهم كان يشير إلى التغيير الذي أصاب المدخل، وآخرون كانوا يستعيدون ذكريات البردوني في سنوات ازدهارها، فيما اختصر أحد الحاضرين المشهد بعبارة عفوية قائلًا: "كأننا نرى البردوني لأوّل مرّة".
هذا الشعور لم يكن وليد لحظة الاحتفال فحسب، إنّما حصيلة مسار طويل من العمل الدؤوب الذي بدأ بعيدًا عن الأضواء، وتراكم بصمت حتّى بلغ ذروته في مشهدٍ إنمائيّلافت، استطاع أن يفرض حضوره على مدينة أنهكتها السنوات، واعتادت خلال العقود الأخيرة أن تسمع الكثير من الوعود وتلمّس القليل من الإنجازات، وبالتالي الحديث عن البردوني لا يمكن اختزاله في كونه موقعًا سياحيًا، فهي مساحة ارتبط اسمها بزحلة لعقود طويلة، وشكّلت أحد أبرز معالمها وهويتها. هنا كانت العائلات اللبنانية تتوافد من مختلف المناطق، وهنا كان السياح العرب يجعلون من زيارتها محطة أساسيّة في رحلاتهم إلى لبنان، حتّى علىضفاف نهرها، تشكّلت ذاكرة سياحيّة كاملة، صنعتها المطاعم والمقاهي والحياة التي كانت تنبض بالمكان، حتى غدت البردوني اسمًا يتجاوز حدود زحلة، ويحضر كأحد رموز لبنان السياحيّة في الوعي العربي والعالمي.
لم تكن السنوات رحيمة بهذا الموقع، إذ إنّ التحوّلات الاقتصاديّة والسياسيّة التي شهدها لبنان انعكست عليه مباشرة، فبدأ يفقد تدريجيًا بريقه ومكانته التي طالما تميّز بها. ومع تراجع الحركة السياحيّة في محطات متتالية، تمدّد الإهمال ليطال المشهدين العمراني والبيئي المحيطين بالمدخل الرئيسي، حتى بات التدهور واضحًا لا يمكن تجاهله، رغم تعاقب المجالس البلدية وتبدّل الإدارات. وفي المقابل، ظلّت الحاجة إلى مشروع جذري متكامل أكثر إلحاحًأ من أي وقت مضى، يعيد الاعتبار للمكان ويستعيد قيمته التاريخية بما يليق به. وهنا تتجسّد المفارقة بأقصى درجاتها في أنّ إدراك أهمية البردوني كان شبه مُجمَع عليه، غير أنّ هذا الإدراك ظلّ أسير الإطار النظري، عاجزًا عن التحوّل إلى فعل تنفيذي أو مشروع متكامل يُترجم على الأرض.

من فكرة مؤجّلة إلى واقع مُنجز
بدأ هذا الواقع يتبدّل مع انتخاب المجلس البلدي الجديد برئاسة المهندس سليم غزالي، إذ سارع المجلس منذ الأشهر الأولى لتولّي مسؤولياته إلى وضع مجموعة من الأولويات التي لم تقتصر على إدارة الواقع القائم والتأقلم معه، إنّما انطلقت من رؤية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل صورة المدينة تدريجيًا على أسس أكثر حداثة وتنظيمًا، عندها حلّت البردوني في طليعة هذه الأولويات، لأنها تشكّل الواجهة الأولى التي يتلقّى من خلالها الزائر انطباعه الأول عن مدينة زحلة.
وما يميّز هذه التجربة ويستحق التوقّف عنده هو أنّ الفارق لم يكن في حجم الإمكانات المتاحة بقدر ما كان في منهجية العمل وفعاليته. ففي ظلّ الأزمات المالية الخانقة التي تعاني منها معظم البلديات اللبنانية، استطاعت بلدية زحلة – معلقة وتعنايل أن تحوّل فكرة بقيت مطروحة لعقود إلى مشروع متكامل خلال فترة لا تتجاوز السنة والشهرين، وهي مدة تُعدّ قصيرة للغاية إذا ما قورنت بحجم الأعمال المنجزة وبالتحديات الصعبة التي يمرّ بها لبنان.
خلف هذا الإنجاز، برز دور استثنائيّ لليد البيضاء التي جسّدتها السيّدة ميشلين عقيص، عقيلة النائب جورج عقيص، التي شكّلت ركيزةً أساسيّة ومحركًا فاعلًا منذ انطلاقة المشروع، إذ كانت من أوائل الذين آمنوا برؤية إعادة تأهيل المدخل ودفعها نحو التنفيذ، وواكبتها بإصرار لافت ومتابعة حثيثة ودقيقة لكافة التفاصيل، مع تنسيق متواصل وعال المستوى مع الجهات المعنية. كذلك اضطلعت بدور محوريّ في إجراء سلسلة واسعة من الاتصالات المؤثرة التي أسهمت في تذليل العقبات، وتجاوز التحديات، وتسريع وتيرة الإنجاز حتى الوصول إلى هذه النتيجة المرجوة والمشرفة.
في بلد تحوّلت فيه المشاريع الإنمائية إلى استثناء نادر أكثر منها قاعدة ثابتة، اكتسبت تجربة البردوني في زحلة بُعدًا إضافيًا تجاوز حدود المشروع نفسه. فلبنان، الذي يمرّ بإحدى أشدّ أزماته الاقتصادية، تعاني فيه العديد من البلديات من عجز حتى عن تسيير شؤونها اليومية، جعل من هذا الإنجاز نموذجًا مختلفًا يُنظر إليه كرسالة واضحة تؤكد أنّ الإدارة المحلية ما تزال قادرة على إحداث فرق فعلي متى توفرت الرؤية والإرادة والمتابعة الجادّة.
ورغم كل العوائق التي كانت تعيق المسار الإصلاحي في عاصمة البقاع، وما رافقها من مشاكل مستمرّة، إلا أنّ اللافت كان الحضور السياسي اللائق، فعلى أهميته، بقي في خلفية المشهد، بالرغم من مشاركة النائب جورج عقيص، والنائب إلياس اسطفان، والنائب سليم عون، ومنسّق التيار الوطني الحر في زحلة إلياس بخاش، إلى جانب شخصيات نيابية من خارج المدينة، وشخصيات اجتماعية وإعلامية وأهلية، فإن الحدث حافظ على طابعه الإنمائي بصورة واضحة، بحيث لم تكن الأنظار متجهة إلى الجهة التي أنجزت هذا المشروع بقدر ما كانت منصبّة على المشروع نفسه، وعلى ما تحقق فعليًا على أرض الواقع.
ومع انتهاء مراسم التدشين، واصل الحاضرون التجوّل داخل الموقع لساعات. فبينما انصرف البعض إلى توثيق اللحظة عبر التقاط الصور، توجّه آخرون إلى المطاعم لتناول الطعام، في حين أمعن فريق ثالث في معاينة التفاصيل الهندسية والجمالية التي أُدخلت إلى المكان، أمّا عدد كبير من الحاضرين، فاكتفى بالمراقبة الصامتة، وكأنّه في حالة استيعاب متأنّ لحجم التحوّل الذي طال إحدى أكثر مناطق زحلة حضورًا في الذاكرة الجماعيّة.
هكذا استعادت البردوني شيئًا من صورتها التي عرفها اللبنانيون لعقود، وهكذا نجحت زحلة في تقديم نموذج مختلف في زمن تكثر فيه الشكوى ويقل فيه الإنجاز، أمّا الرسالة الأهم التي خرج بها أبناء المدينة من تلك الأمسية، فكانت أنّ العمل الجدّي لا يحتاج إلى ضجيج كي يثبت حضوره، لأنّ النتيجة عندما تكون واضحة على الأرض تتكفل وحدها بسرد القصة كاملة.
