" الحارة "، " حارة صور "، حارة المسيحيين " تسميات عدة لقلب مدينة صور التاريخية. هذه الحارة التي تجذب كل من يزورها، قصدها "كافيين دوت برس" ليستطلع أوضاعها، ويجول شوارعها، ويكشف النقاب عن بعض من تراثها، فوجدنا أنفسنا نغوص في تاريخ المدينة، ونطّلع على بعض من آثارها التي يجهلها كثيرون.
تقبع " الحارة " على الرأس البحري للمدينة، يقوم المرفأ على مدخلها الشمالي، وتحيط بها مقار مطرانيات الموارنة، والأورثوذكس، والكاثوليك، وآثارات صور الشهيرة.
قبل أن ندخل إلى عمق " الحارة " في مدينة صور، وعلى مدخلها الشمالي، يقبع المرفأ الذي يعج بعشرات مراكب الصيادين والمراكب السياحية وباخرة نقل كبيرة، ويحرسه تمثال للسيدة العذراء سيدة البحار. وتحيط به المقاهي والمطاعم المخصصة لتناول المأكولات البحرية. وفي مقابل الميناء تقوم ورشة متواضعة لبناء المراك ، وصاحبها الياس بربور يعمل على إنجاز أحدها. سألناه عن حركة العمل ، فقال أن الحركة جامدة " أعمل منذ سنتين على بناء هذا المركب، على أمل أن يطلبه أحدهم. لا زلت أعمل في هذا المجال لأنه إرث من الآباء والأجداد. كان يوجد عدة ورش توقفت جميعها ". وعن السبب يقول " عملنا مرتبط بالصيد البحري الذي تراجع كثيرا . إضافة إلى أن الصيادين أوقفوا مراكبهم بسبب ارتفاع ثمن المحروقات وتراجع الثروة السمكية". ويضيف بربور عاملا آخر، وهو تهريب عشرات المراكب من سوريا، وقد سجّلت في طرابلس على أنها منشأ محلي. ويشير بربور إلى الميناء " هنا يوجد حوالي ١٧ مركبًا منها ".
عندما تدخل " الحارة " في مدينة صور، تشعر أنك عبرت من زمن إلى آخر، من زمن المباني المرتفعة، والأسواق العصرية، والطرقات المزدحمة بالسيارات والمارة، إلى زمن الشوارع الضيقة التي لا تصلح لمرور العربات، المرصوفة بالحجارة الملساء المربّعة، تحفّ بها منازل عتيقة بنيت من حجارة رملية ، وصبغت بالألوان البهيجة، من أزرق وأحمر وخمري وبني وبنفسجي. تشرّع شبابيكها البرتقالية الخشبية على الطرقات، وقد تدلّت منها السلال تحمل باقات الزهور والورود الملونة. كما صفّت بعناية، إلى جانب حيطان المنازل أوعية تحتضن نباتات مختلفة. فيمرّ الزائر من هذه الطرقات، ومن تحت عقودها الحجرية، فيعود به الزمن إلى تاريخ غابر ، يحدّث عن مجد قديم تباهت به المدينة على أخواتها المتوسطية.
من أحد الشبابيك أطلت سيدة مرحّبة بنا ودعـتنا لاستراحة في منزلها. دخلنا بهوًا إلى صحن الدار، ثم صعدنا درجًا حجريًّا الى المنزل الذي لا يزال سطحه خشبيا ومن الطين المدحول. جلسنا على أريكة بين الأيقونات وصور القديسين وأفراد العائلة." لا يزال لديّ أخوان يقيمان هنا في الحارة ، وثلاثة أخوة هاجروا إلى استراليا" . تقول لنا المضيفة سيسيليا برادعي. وتضيف "لم أترك المدينة أبدا ، نحن مرتاحون هنا في كل الأوقات على الرغم من الوضع المعيشي الضيق. كنت قبل الحرب الأخيرة أرى أفواجًا من السياح يمرون من تحت نافذتي ، وأسمع لغات من مختلف بلدان العالم. اليوم غابت هذه الحركة التي نشتاق إليها. وبعد أن لاحظت اهتمامنا بطراز البيت القديم ، أخبرتنا أنها تعرف من والديها وجدودها أن عمر البيوت في " الحارة " تتجاوز المئتي عامًا . ويكتمل الشكل التراثي للمنزل، مع شكل الأثاث والمطرزات المزركشة التي تغطيه، حتى لباس السيدة التقليدي.
وتتظهّر صورة التراث هذه أكثر في فندق دخلنا إليه، بابه على الطريق تماما، ووجهته إلى البحر . وسرعان ما صحّح لنا صاحبه ، وليد صالحة التسمية auberge هذا ما يُطلق عليه. سألناه عن الحركة ، فكان جوابه سريعا" لا حركة. هي شبه معدومة. فتح في الحارة سبعة نزل مثل هذا، أقفلت جميعها، وأنا استمريت لأن مسكني هنا. تراجعت الحركة السياحية منذ أزمة كورونا، لكنها ظلّت مقبولة حتى نهاية العام ٢٠٢٣ عندما نشبت الحرب، فتوقفت بنسبة ٩٠ بالمئة تقريبا. كان يزورنا سياح من مختلف الجنسيات، وخاصة أوروبيون وأتراك وبعض العرب . سياحتنا هي سياحة ثقافية وتراثية تاريخية ، بسبب غنى المدينة بالآثار ، وتاربخها العريق. من آثار فينيقية، ورومانية، ويونانية، وبيزنطية، وصليبية " . غير أن صالحة يذكر أن هناك ما يميز أثارات صور ، وهذا ما اكتشفه عدد كبير من الباحثين والخبراء الذين زاروا المدينة دائما ونزلوا في فندقه . ويعدد صالحة بعضها " المعبد الوحيد في العالم الذي لا تزال قاعدته موجودة، هو معبد فينيقي موجود ضمن الآثارات البحرية . المدرج الروماني، ثاني أكبر مدرج بالعالم ، وكان مخصصا لسباق الخيل. الطريق التي عبّدها الإسكندر المقدوني بطول كيلومترين. قناطر المياه الرومانية، التي كانت تنقل المياه من برك رأس العين إلى المدينة بواسطة الجاذبية. الميناء الفينيقي الذي لا يزال إلى اليوم، وكانوا يسمونه الميناء الصيدوني، لأن وجهته صيدا. وميناء آخر مواز إلى الجنوب، وهو الميناء المصري لأن وجهته كانت إلى مصر، وهو قد غمرته المياه، لكن رصيفه لا يزال قابعًا في البحر بطول كلم واحد. وكان يربط بين الميناءين قناة تنتقل المراكب فيها. لوحات الفسيفساء البيزنطية. حلبة الصراع الوحيدة في العالم ذات الشكل المربع. أفران الزجاج. الحمامات الرومانية التي تؤمن فيها المياه الساخنة بواسطة الأوعية الفخارية. قوس النصر الذي بناه الإسكندر المقدوني. نواويس حجرية تضم رفاة قادة عسكريين مقدونيبن بارزين، وقد نقشت كتابات على كل ناووس منها ، تخبر عن القائد المدفون فيه وتفاصيل عن المعركة التي قضى بها. كما يوجد ثلاثة نواويس لنساء، وهي الوحيدة في العالم المخصصة للنساء . وفي العام ١٩٨٣ ، كانت تجري عمليات حفر لتشييد بناية سكنية، فتم العثور على عمق ستة أمتار، على كنيسة، قدّر الخبراء أنها بنيت حوالي العام ٦٠٠ ، وهي كنيسة فخمة وكبيرة، إذ إن أعمدتها من الغرانيت الإيطالي ، وتعلو هذه الأعمدة تيجان مطلاة بالذهب. وعندما سألناه عن مصير هذه القطع النفيسة ، أوضح لنا أنه تم إنشاء متحف إلى جانب الآثار البحرية لعرض هذه القطع العديدة . لكن هذا المكان تحول إلى مستودع مهمل ، وقد تكدست به الصناديق البلاستيكية التي تحوي القطع. ويلفت صالحة النظر إلى جانب آخر ، وهو أن شاطئ صور يعتبر من أهم الشواطئ للألعاب والرياضات البحرية بسبب طبيعته وموقعه وشكله. وبالفعل ، كانت تقام عليه في منتصف القرن الماضي رياضات سنوية، يحضرها لاعبون من مختلف أنحاء العالم ، وخاصة من أوروبا . كما من مميزات شاطئ صور ، أنه يوجد داخل مياه البحر ١٧ ينبوعًا للمياه العذبة ، تتوزع بين منطقتي القاسمية والناقورة . ومصدر هذه المياه هي مرتفعات جبل الشيخ.
وليد صالحة في بهو فندقهغادرنا ، ونحن نطرح السؤال : لمَ يهجر أبناء هذا الحي مدينتهم ، ولهم فيها جذور متعمقة، ويستطيعون أن يوفروا أبوابًا للرزق متعددة ، ولهم في المكان استقرار وأمن وإن اضطرب الوضع جنوبا أحيانا ؟ اذ بقي منهم ما يتراوح بين ١٠٠٠ و ١٥٠٠ من أصل ٢٥٠٠٠ . فهل يدركون أنهم يتخلون عن بقعة هي من أجمل وأثرى بقاع الأرض ؟