القرى المسيحية الحدودية : خزان وافر للقوى العسكرية

القرى المسيحية الحدودية : خزان وافر للقوى العسكرية

نصب اللواء فرنسوا الحاج في بلدته رميش 

لا يزال الكثيرون من أهالي بلدة رميش، يذكرون إلى الآن، عندما مرت في قريتهم عام ١٩٧٣، قافلة كبيرة للجيش اللبناني، كانت آتية من المنطقة الساحلية إثر إشكالات مع الفلسطينيين. وتوقفت هذه القافلة داخل القرية، فسارع أهلها على أفرادها يقدمون كل ما يملكون من خبز وطعام. وإن دلّت هذه الواقعة على شيء، فعلى  مدى ارتباط أهل القرى المسيحية الحدودية بالقوى الأمنية ، وخاصة الجيش. وتعلقهم الشديد بها، ومطالبتهم الدائمة بوجودها بينهم.

وهذا الإرتباط الوثيق بالقوى الشرعية الوطنية، مردّه إلى الحالة القلقة التي عاشتها المنطقة الحدودية طوال تاريخها الحديث. هذا القلق الذي نجم عن الأحداث المتوالية منذ تهجير الفلسطينيين عام ١٩٤٨، وما أعقبها من عمل فدائي فلسطيني عبر الحدود الجنوبية، واشتباكات أوقعت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات. غير أن القلق لم يقف عند حدود اشتباكات وخسائر مادية، بل تعدّاه إلى " أرق " وطني وسياسي، وخشية على المصير. فشكّلت القوى الأمنية للدولة، خشبة الخلاص، والأمل، والملاذ الأول والأخير لأبناء هذه القرى الحدودية.

القوى العسكرية الضمان والإطمئنان 

في ظل الأوضاع غير المستقرة، التي عاشتها القرى الحدودية، ولا تزال، وجد الأهالي في القوى الأمنية الرسمية صورة للدولة الحاضنة والآمنة والراعية، بل تجسيدا لها، وحضورا لا يمكن الإستغناء عنه. ففي خضم الحرب الأخيرة، انتفض أهالي رميش ضد قرار مديرية قوى الأمن الداخلي بنقل عناصر مخفر بلدتهم من المنطقة. ونفذوا اعتصامًا أمام المخفر، معتبرين أن هذا المركز هو آخر رمز للدولة باق عندهم.

وفي تاريخ قديم، ومع انتشار العمل الفلسطيني المسلح، انطلق الأهالي في مظاهرات واعتصامات عام ١٩٦٩، مرددين شعارا واحدا : "بدنا الجيش ، وما بدنا إلا الجيش اللبناني" . وإن موقفهم هذا ، يتناوله البعض بمفهوم خاطئ، وتفسير بعيد كل البعد عن الحقيقة . فهذه القرى الحدودية استقبلت في بداية تهجير الفلسطينيين أضعاف عدد سكانها منهم. وكانت تقوم بينهم في الأساس علاقات اجتماعية واقتصادية وطيدة. غير أن مطلبهم الوحيد والأساسي هو خضوعهم للسلطة اللبنانية فقط.

 عائلات تنخرط بكثافة في الأسلاك العسكرية

المعاون المتقاعد جان سمعان.jpg 217.54 KB
في القرى المسيحية الحدودية، من النادر أن تجد عائلة لم ينخرط قسم من أبنائها في الأسلاك العسكرية. فالمعاون المتقاعد من بلدة رميش جان سمعان  ذكر لنا أن عائلته المتفرعة من ثلاثة جدود ، قدمت إلى القوى الأمنية ٣٩ فردًا. فهم " يقبلون على التجند لأنهم يشعرون بالراحة ، إضافة إلى الأمان الإقتصادي" . غير أن سمعان ينفي أن يكون السبب هو فقط مادي، بل حبًا ورغبة . فأفراد عائلته رفضوا المغادرة عندما تقلصت رواتبهم كثيرا ، وتوفرت لهم فرص في أعمال أخرى مختلفة.

 شراكة حقيقية بين الأهالي والقوى الأمنية . 

 الرائد المتقاعد في قوى الأمن الداخلي بطرس حاج ، قال لـ " كافيين دوت برس"  أن أبناء القرى الحدودية كانوا يقبلون على الإنخراط في الأسلاك العسكرية دائما، حتى في ظل الإحتلال الإسرائيلي. ودافعهم هو حبّ الوطن، والعاطفة القوية التي يكنونها لقواه الأمنية. واليوم وما أن يفتح باب التطوع حتى يلبي شبابنا وشاباتنا هذا النداء الوطني. لقد أصبح الإنتساب إلى الأجهزة الأمنية إرثًا لا يتخلى عنه الأهال ، خاصة بعدما  سقط من أبنائهم العديد من الشهداء ، وهم يلبون الواجب في صفوف الجيش". 

وقدّر الرائد حاج عدد المنخرطين في الأسلاك العسكرية المختلفة من بلدة رميش وحدها، بما لا يقل عن ٥٠٠ عنصر.

الرائد المتقاعد بطرس حاج
العميد الركن المتقاعد يوسف سلامة، من بلدة القليعة الحدودية، يصف لـ" كافيين دوت برس"، علاقة سكان القرى المسيحية الجنوبية بالمؤسسات الأمنية اللبنانية، وفي طليعتها الجيش اللبناني  " ارتبطت دائما القرى الحدودية، وخاصة المسيحية منها، بعلاقة وثيقة مع المؤسسات الأمنية، وذلك لعدة عوامل اقتصادية وسياسية وعاطفية. 

من الناحية الإقتصادية، فمن المعروف أن الإنماء في لبنان ، تركز في المدن الساحلية ، وكان يخفّ في شكل دائري كلما ابتعدنا عن مركز العاصمة، وبالتالي كان الفقر يحلّ مكان الإنماء، يرافقه ضعف النمو الإقتصادي، خاصة مع عدم وجود تخطيط وتوجيه وإدارة سليمة للقطاع الزراعي ( الخيار الطبيعي لأبناء القرى الحدودية ). من هنا مثلًا عندما كان عديد الجيش اللبناني عام ١٩٧٣ حوالي ١٥٠٠٠ عنصرا ، كان هناك حوالي ٢٥٠ منضويًا من بلدة القليعة ، التي كان يقدر عدد سكانها حينها حوالي ٣٠٠٠ نسمة. وهذه نسبة تعتبر مرتفعة جدا إن بالنسبة الى القرى او للجيش اللبناني، ويمكن أخذ هذه النسبة في كل القرى المسيحية الحدودية، كونها تعيش ظروفا متشابهة. 

ويضيف اما " في ما يتعلق بالأسباب السياسية، فإن القرى المسيحية الحدودية لم تفرز قيادات وازنة مؤثرة في القرار المركزي للدولة ( وهي تاريخيا دولة رعاية وتبادل خدمات بين الزعيم والناخب). يضاف إليها تشتت القرى المسيحية الحدودية في أقضية مختلفة، لا تسمح بإعطائها عددًا من النواب يشكل ضغطًا على مركز القرار السياسي ، فبقيت هذه القرى على هامش السلطة، أو القرار، أو التأثير السياسي . فنجد أن هناك نائبًا واحدًا وهو أورثوذكسي في دائرة مرجعيون _ حاصبيا . وهو لم يشكل في أي مرحلة زمنية صوتًا ممثلًا فعليًّا لسكان القرى المسيحية. وبقي السكان يشاركون بالإنتخابات في محيطهم الشيعي، الذي كان يتأثر بتيارات تغيّرت حسب الفترات الزمنية ، لكنه لم يمثّل يوما آراء الناخبين المسيحيين ، وبالتالي مصالحهم في دولة رعاية بامتياز". 

 

ومن الناحية العاطفية ،  يشير الى ان " وقوع القرى المسيحية على الحدود الجنوبية، والتي كانت دائمة السخونة، وما كان يعانيه الجيش في كل المعارك التي خاضها، مع اسرائيل قبل العام ١٩٧٥، ومع الفلسطينيين بعدها، إلى تطور الأوضاع، خلق حالة ارتباط عاطفي كبير بين ابناء هذه القرى وعسكريي الوحدات الأمنية. فقد تفاعلوا معهم، وشعروا بآلامهم، واستقبلوهم في منازلهم. فأبناء القرى المسيحية وجدوا مؤسسات الدولة الأمنية ملجأهم الوحيد . وكان عسكريو الوحدات الأمنية يشعرون أنهم بين أهلهم ، ومنهم من فضل البقاء في المنطقة والإقامة بها رغم الأوضاع الأمنية التي عاشتها " .

العميد الركن المتقاعد يوسف سلامة.jpg 115.49 KB
الإنتساب إلى القوى الأمنية تجذر في الأرض 

 لا تقتصر الفوائد ، من الناحية المادية ، على الراتب والتقديمات. بل تتعداها إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى التعلق بالأرض والبقاء في القرى. فإن طبيعة المواسم الزراعية الغالبة، وخاصة التبغ والزيتون، يقتصر العمل فيها على أيام محددة ومتقطعة من السنة، مما يسمح لأفراد القوى الأمنية بالعمل إلى جانب ذويهم، وهذا يساعدهم ماديًّا ويشّجعهم على إبقاء عائلاتهم في قراهم. وبعد أن يبلغوا سن التقاعد، تكون الفرصة مهيئة لهم للإقامة الدائمة في بلداتهم الحدودية. من هنا نجد أن نسبة مرتفعة من المقيمين الدائمين في هذه القرى، هم من عائلات المنتسبين إلى القوى الأمنية.

 

 

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب