النزوح تحت القصف والجشع: قصة فجر دامٍ في الضاحية الجنوبية
في فجر يوم الاثنين، كان شهر رمضان يلفّ الضاحية الجنوبية لبيروت بهدوئه المعتاد، ذلك الوقت الذي تسبق فيه العائلات موعد السحور بتلك الحيرة اليومية الجميلة: ماذا نأكل؟ ماذا نعدّ؟ كان المشهد عاديًا، بيوتًا أوشكت أن تودع نهارًا جديدًا من الصيام، وأجسادًا تستعد لاستقبال يوم طويل بالصبر والعبادة. لكن هذا السكون الرمضاني لم يدم طويلاً.
خبرٌ قفز إلى الشاشات فجأة: "إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه شمال إسرائيل". لم يمض وقت طويل على تداول الخبر حتى انقلب التساؤل الهادئ إلى ذهول، ثم إلى رعب. لم يعد السؤال: "ماذا سنأكل على السحور؟"، بل تحول إلى: "هل سنبقى أحياءً لنرى الفجر؟".
لم تكن الغارات متتالية فقط، بل كانت مدمرة. في لحظات، تحوّلت الأحياء السكنية المزدحمة إلى مسرح هلع جماعي، العائلات التي كانت جالسة في بيوتها، تستعد لشهر الرحمة، إذا بها تهرع إلى الخارج حافيةً أحيانًا، أو شبه عارية، كلٌّ يمسك بما تيسّر: حقيبة صغيرة، وثيقة هوية، طفل بين ذراعيه، أو ربما شيء صغير يتذكّره من البيت، لربما لن يراه مجددًا.
وفي العراء، حيث كان القصف لا يزال يدوّي، لم تكن العائلات بأمان. كانت الشوارع تغص بالسيارات الهاربة، والطرقات التي تؤدي إلى الضاحية أُغلِقت بالكامل. اختناق مروري خانق، وأصوات نساء وأطفال تصدح بالصراخ، كأنهم لا يعرفون متى أو كيف سيُقتلون.
على وقع الغارات، لم تكن الأولوية للأمان فقط، بل كانت للبقاء. هرع البعض إلى محطات الوقود لأنهم يعلمون أن الحرب تعني ندرة البنزين وغلاءه، مشاهد طوابير السيارات أمام المحطات كانت تعكس ذاكرة جماعية لوجع سابق: الحروب في لبنان لا تعني فقط الموت، بل تعني أيضاً أزمة محروقات، وشحًا في المواد الأساسية، وجشعًا تجاريًا يرفع الأسعار مع كل غارة.
وفي الجهة المقابلة، كان مشهد آخر لا يقل قسوة: هرولة نحو السوبر ماركت، الناس لم يكونوا يشترون للرفاهية، بل كانوا يخزّنون الطحين، الرز، المعلبات، زيت الطهي. كانوا يشترون قوت يومهم، لكن برمزية قاسية: إنهم يشترون طعامًا ليكملوا صيامهم في بقية شهر رمضان.
ولم يكن السكن أقل ألمًا، فمنذ اللحظات الأولى للنزوح بدأ البعض يبحث عن مأوى. هنا بدأت فصول أخرى من المأساة الاقتصادية: أصحاب الشقق المؤقتة رفعوا أسعار الإيجار مع كل غارة، كل قصف كان يعني زيادة في الأسعار، كانت السوق السوداء للمأوى تتشكل بسرعة، تحت صوت الطائرات وفوق رؤوس الأطفال النائمين في السيارات.
أما المدارس، التي فتحت أبوابها أمام النازحين، فقد حملت مشهدًا إنسانيًا مؤثراً، لكنه لم يخفِ السؤال المصيري: إلى متى؟ كيف سيتحمل هؤلاء الناس العيش في غرفة "مدرسية"، من دون خصوصية، من دون عمل، من دون مصدر دخل، ومع استغلال تجار المحروقات والمواد الغذائية والمؤجرين؟
شهر رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر رحمة وتكافل، تحوّل إلى شهر قاسٍ بفعل الحرب وجشع البعض. الصائمون الذين كان يفترض بهم أن يفكروا في العبادة والتأمل، باتوا يفكرون في الخبز، والبنزين، والسقف الذي ينامون تحته.
هذه هي معاناة الضاحية الجنوبية في فجر الاثنين: ليست مجرد غارات، بل انهيار لحالة إنسانية واقتصادية واجتماعية تحت وطأة الخوف والاستغلال.