احتفال " الميدان" تحدّى الطقس ونجح

احتفال " الميدان" تحدّى الطقس ونجح

ليلة العبور من سنة إلى أخرى لا تمرّ بدون احتفال جماهيريّ في ساحة " الميدان" ، في إهدن، للسنة الثالثة عشرة على التوالي، في نشاط تتشارك في الدعوة إليه بلديّة زغرتا- إهدن وجمعيّة "إهدن سبيريت" .

لكنّنا هذا العام فركنا عيوننا من الدهشة، صباح العيد، ونحن نقلّب صور "الميدان" وهو يغصّ بالمحتفلين، برغم التحذيرات المتكرّرة المبثوثة في النشرات الجويّة التي راحت ترسم علامات استفهام حول احتمال تراجع الإقبال على المناسبة، وضياع جهود المنظّمين سدى، والخشية من تحوّلها إلى سهرة بدون جمهور، أو بالجمهور الأقلّ .

سوى أنّ الذين اعتادوا على الانغماس في هذه الفرحة الشعبيّة العارمة خالفوا كلّ التوقّعات. بما فيها توقّعات الداعين الى التجمهر الذين وضعوا أيديهم على قلوبهم خوفًا. وتدفّقوا من كلّ صوب. ليس من زغرتا وقضائها فحسب، إنّما من أنحاء مختلفة، شماليّة في الأغلب. متحدّين بذلك رداءة الطقس الجبليّ، وزخات المطر، والبرد القارص، ومخاطر تكوّن طبقات جليد على الطرقات. حتّى الأطفال الذين أظهرتهم الصور، وهم يُحملون عاليًا، فيما الأسهم الناريّة تشقّ عنان الغيوم في السماء، آن تعانق العقارب، لم يفوّت عليهم أهلهم فرصة الفرحة العارمة بحلول رأس السنة، والهتاف بأعلى ما تمكّنهم منه حناجرهم الطريّة، مع سائر الهاتفين .

فالمنظمون أصرّوا على الاستمرار في بثّ الفرح في الأرجاء، في بلد كلبنان افترسته الحروب، وسحقته الانهيارات، وأفرغته المحن، للمغامرة بما دأبوا عليه، طوال أعوام. والمشاركون، تمسّكوا، من ناحيتهم، بالتخلّي عن دفء البيوت، عشيّة العيد، وتناسي التعب والهموم والأشجان، للإعلان، بأصواتهم الصارخة، عن حبّهم للحياة واحترامها، وتقديرها كامتياز عظيم ممنوح لهم، بمجرّد أن يكونوا من أبنائها. فاندفعوا صاعدين إلى "الميدان"، غير عابئين بالبلل جراء المطر، أو بزمجرات الرعد، وحصان الريح الجامح. ففي رأس السنة كلّ شيء مفتوح ومسموح، وكلّ معجّل مؤجّل، لبضع ساعات. وهو، ولو كان لحظة وداع وافتراق عن سنة من حياتهم ستلفظ أنفاسها الأخيرة، على مرأى منهم ومسمع، يستعيدون في غمرة بهجتهم ذكرى الأحبّة الذين فقدوهم. فهي، في المقابل، لحظة خاطفة يخالطها الفرحّ، يحتفون خلالها بالسنة المطلّة وهي تهمّ بالتنفس. يشربون كأسها، ولو كانت ستأخذهم صوب ما يجهلون، ونحو ما يمتدّ إلى الأمام مؤدّيًا إلى ما لم يصر بعد صاعدًا باتجاه المستقبل. لأنّ شيئًا لن يحول دون تمسّكهم ببارقة ضئيلة من الأمل بأنّ القدر، بعد عقود من العذاب، لا بدّ أن يعود للابتسام، ولو ابتسامة صغيرة. برغم كلّ مصادر القلق الراهنة على أمننا، ووحدتنا، وعلى ودائعنا، ومصيرنا. بارقة أمل لا بدّ لائحة، مهما اشتدّت غضبة الأنواء الإقليميّة، كحلم جميل تستمدّ منه الطاقة لمواصلة الطريق .

ولن نختم دون أن نشير إلى أنّ أكلاف هذا الاحتفال السنويّ بالعيد، كانت تتشارك في تحمّلها مع البلديّة المؤسّسات السياحيّة، في إهدن. لكنّ البلديّة - بحسب ما صرّح به السيد فيليب عنتر، مؤسّس "إهدن سبيريت"-  قابلت تسديد الفنادق والمطاعم لما يتوجّب عليها من رسوم بلديّة بتحمّل كامل الكلفة المترتّبة على نشاط هذا العام .

وبنجاح الاحتفال الأخير في امتحان الطقس، فإنّ شيئًا لن يحول، بعد الآن، دون تحوّله تقليدًا سنويًّا بطله "الميدان"، بفضل تحفّز المنظّمين، وغزارة تدفّق المشاركين .

 

 

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين