عنجر في قلب القرار الأرمني : هواجس المستقبل للحفاظ على الهوية

عنجر في قلب القرار الأرمني : هواجس المستقبل للحفاظ على الهوية

على امتداد ما يقارب قرنًا من الزمن، استطاع الأرمن اللبنانيون أن يرسّخوا حضورهم بوصفهم مكوّنًا وطنيًا أصيلًا في لبنان، البلد الذي احتضنهم بعدما  لجأوا إليه بعشرات الآلاف هربًا من الإبادة والاقتلاع. غير أنّ هذا الاندماج في النسيج الوطني لم يُفض إلى ذوبان هويتهم الخاصة، بقدر ما أسّس لحالة فريدة يمكن توصيفها بـ"جماعة ذات هوية خاصة داخل لبنان"، إذ حافظ الأرمن على تماسكهم الاجتماعي والثقافي من خلال شبكة واسعة من المؤسسات الدينية والتربوية والرياضية، التي نشأت وترسّخت بجهود الكنيسة والأحزاب الأرمنية.

 ومع مرور الوقت، بات الأرمن اللبنانيون يُقدَّمون نموذجًا للانضباط والتنظيم في بلد اعتاد إدارة الأزمات أكثر مما عرف الاستقرار، غير أنّ التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب، فأحداث ناغورني – كاراباخ، وما رافقها من موجة تهجير جديدة أصابت الشعب الأرمني، أعادت إلى الواجهة هواجس أقليّة لم تتخلّ يومًا عن شعورها التاريخي بالتهديد، فقد تفاقمت هذه المخاوف في السياق اللبناني، حيث تداخل الانسداد السياسي مع الانهيار الاقتصادي والتحديات الديموغرافية، ليُعاد طرح أسئلة الوجود والهوية والانتماء بإلحاح غير مسبوق.

 وعندما يُستحضر الحديث عن الأرمن في لبنان، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى برج حمود، والمتن، والأشرفية، وزحلة، فيما تغيب عن الذاكرة الجماعية بلدة عنجر الأرمنية، التي لا يُعاد ذكرها إلا قبيل الاستحقاقات الانتخابية. لكن لهذه البلدة تاريخها وموقعها فعلى الرغم من قربها الجغرافي من الحدود السورية، لم تتأثر يومًا بالاضطرابات الأمنية والسياسية التي عصفت بالداخل السوري. صحيح أنّ البلدة استقبلت نحو ٢٠٠ عائلة أرمنية نازحة من حلب وبلدات أخرى، غير أنّ وجودهم بقي موقتًا، إذ لم يتبقَّ منهم اليوم سوى القليل.

 ففي جولة ميدانية أجرتها "كافيين دوت برس" في عنجر، يؤكّد احد ابناء البلدة بانوس هاواتيان أنّ البلدة لا تزال تؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على نسيجها الاجتماعي، مستفيدة من عاملَي الأمن والاستقرار،  مشيراً إلى أنّ عنجر، بخلاف مناطق لبنانية كثيرة، استطاعت الصمود نسبيًا في وجه الانهيار الاقتصادي، بفضل الدور الذي تؤديه البلدية وحزب "الطاشناق"، ولا سيّما في تأمين المازوت والكهرباء على مدار الساعة وبكلفة أدنى من تلك المعتمدة في باقي المناطق المجاورة.

ويشرح هاواتيان أنّ هذا العمل الخدماتي أسّس لعلاقة تبادلية واضحة بين الحزب والمجتمع المحلي. الحزب يوفّر الخدمات الأساسية، والمجتمع يلتزم بالقرار الحزبي. ويضيف أنّه حتى عندما تظهر اعتراضات، تبقى محدودة وخافتة، وغالبًا ما تُوجَّه إلى أفراد داخل الحزب لا إلى الحزب ككيان سياسي وتنظيمي.

 غير أنّ هذه الصورة، على تماسُكها، لا تخلو من عناصر هشاشة. فبحسب هاواتيان، تواجه عنجر خطر التحوّل إلى مجتمع مُسنّ، فمن أصل نحو ثمانية آلاف شخص مسجّلين في قيود النفوس، لا يتجاوز عدد المقيمين فعليًا أربعة آلاف، ينخفضون شتاءً إلى قرابة ثلاثة آلاف فقط. ويحذّر من مستقبل قد يحوّل البلدة إلى "بلدة أشباح".

 ويُشدّد على أنّ نحو 98 في المئة من شبابها يحملون شهادات جامعية، في وقت تبقى  فرص العمل في عنجر شبه معدومة. فبعضهم يعمل عن بُعد، فيما يختار آخرون الهجرة إلى الخارج، لتبقى البلدة أسيرة إيقاع الجيل الأكبر سنًا.

 ومع ذلك، لا تغيب مؤشرات الأمل. فقد شهدت البلدة خلال صيف ٢٠٢٥  أكثر من عشرين حالة زواج بين أبنائها، يُتوقَّع أن يستقر نصفهم فيها، ما قد يفضي إلى ولادة نحو عشرة أطفال جدد. كما يلفت هاواتيان إلى وجود نحو 500 تلميذ في مدرستي البلدة اللتين تعتمدان تعليم اللغة الأرمنية، فضلًا عن ارتفاع عدد المخاتير من ستة إلى سبعة، وزيادة أعضاء المجلس البلدي من 15 إلى 18. وهي أرقام تُقرأ بوصفها دلائل على استمرار حيوية المجتمع المحلي، رغم الضغوط الديموغرافية  المتزايدة.

 لكن مع كل مأزق سياسي، ومع كل خطاب يعيد التشكيك في لبنانية الأرمني ويُصنّفوه مجددًا كلاجئ، عندها يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل الأرمني في لبنان لبناني؟

 يقول أرسين كاسارجيان إنّ التمسك بالهوية الأرمنية مسألة مبدئية لا تتناقض مع الانتماء الوطني، موضحًا "أنا لبناني أرمني، لا أرمني لبناني. وُلدت في عنجر وأولادي لبنانيون قبل أي شيء، لكنني أفتخر بأرمنيتي ولا أنكرها، حتى إنني أحتفل بعيد الميلاد في السادس من كانون الثاني، لا في الرابع والعشرين من كانون الأول".

 في المقابل، يقدّم هاغوب طاشجيان، من بلدة الزلقا في المتن الشمالي، مقاربة مختلفة، إذ يعرّف عن نفسه ببساطة على أنّه "أرمني فقط"، في محاولة للحفاظ على نقاء هويته القومية. ويقارن ذلك بأوضاع الأرمن في مدن أكثر تنوّعًا مثل زحلة، حيث يذوبون في نسيج اجتماعي أوسع، ما يحدّ من النفوذ المباشر للأحزاب الأرمنية ويُضعف حضورها، مقارنةً بمناطق مثل المتن وعنجر.

 ولا شكّ أنّ "الصدمة النفسيّة" المتوارثة عن الإبادة الأرمنية شكّلت عنصر توحيد أساسي داخل المجتمع الأرمني، غير أنّها تحوّلت في مراحل لاحقة إلى ورقة سياسية لم تُستخدم دائمًا في مصلحة الأرمن اللبنانيين. وتجمع آراء بعض أهالي عنجر على أنّ بعض خيارات "الطاشناق" الأخيرة وضعت الأرمن في مواجهة مع باقي الأفرقاء، ولا سيّما في ما يتصل بملف العلاقة مع سلاح "حزب الله". في المقابل، بدأت أصوات معارضة بالظهور، وإن بقيت حتى الآن في إطار غير معلن، فثمة همس داخل الأوساط الحزبية نفسها حول أداء ضعيف وخيارات خاطئة، يُستدلّ عليها من تراجع الحضور السياسي للأحزاب الأرمنية، وفي طليعتها الطاشناق.

 ورغم ذلك، يراهن المعارضون على إمكان تحويل هذا الاعتراض الصامت إلى خرق فعلي في الواقع السياسي الأرمني. فوفق رأيهم، لم يعد "الطاشناق" قادرًا على فرض قراراته تحت شعار "أكثرية بتوحدنا" كما في السابق، في ظل موجات الهجرة المستمرة والتحولات الإقليمية والدولية.

بين هواجس الماضي وضغوط الحاضر، يبقى السؤال مفتوحًا على مصراعيه: هل ينجح الصوت الأرمني في التحوّل من خطاب "تقوقعي" إلى رسالة وطنية جامعة، تُعيد تعريف الانتماء بوصفه شراكة لا عبئًا، وتُقدّم نموذجًا يُحتذى به في زمن التبدلات السياسيّة؟

 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس