على حساب الملّاحات... أنفه في مواجهة "مشروع افتراسي"

على حساب الملّاحات... أنفه في مواجهة "مشروع افتراسي"

ملاحات انفه

"الملح المصري أرخص، والمنتجعات أربح"، بهذه العبارة يختصر أبناء أنفه، ولا سيّما كبار السن، منطق القرار الذي لاحق ملّاحات البلدة منذ أواخر التسعينيات، وتحوّل إلى تفسير شعبي لسياسات اعتبرت الملح قطاعًا خاسرًا، والساحل فرصة استثمارية.

وبحسب هذه الرواية المتداولة محليًا، تعود جذور هذا التوجّه إلى مرحلة الرئيس الراحل رفيق الحريري، حين ساد منطق اقتصادي رأى في استيراد الملح، وخصوصًا من مصر، خيارًا أوفر، مقابل اعتبار السياحة والخدمات الساحلية أكثر ربحية.

من هنا، بدأت أنفه تُرى لا كموقع إنتاج، بل كمساحة استثمارية، وابتداءً من عام 1997، ظهر مشروع سياحي على الساحل يتكرّر بصيغ مختلفة، لكن بجوهر واحد: إزاحة الملّاحات لصالح السياحة.

ضمن هذا الإطار، يشرح المهندس جورج سليمان، صاحب ملّاحات "Sleiman Salinas"، في حديث لـ "كافيين دوت برس"، أن عائلته واحدة من ثلاث عائلات تملك ملّاحات عاملة في أنفه.

ومع مرور الوقت، تغيّر المشهد العام في المنطقة، إذ يلفت سليمان إلى أن "معظم الملّاحات المحيطة جرى بيعها لتحويلها إلى مشروع سياحي، وغالبية أصحاب الملّاحات قبلوا التعويضات وخرجوا"، في حين اتخذت عائلته مسارًا مختلفًا، قائلًا إن "جدّي وأخوه وابن خاله رفضوا، فرفعت دعاوى قضائية ضدنا".

ويضيف أن هذا الخيار أدّى إلى مسار قضائي طويل بدأ في منتصف التسعينيات، موضحًا أنه "في عام 1994، رفعت مطرانية الروم الأرثوذكس، برئاسة المطران إلياس قربان، دعوى قضائية ضدنا لنخلي، واستمرت القضية حتى عام 1997، وانتهت لمصلحتنا".

وبعد صدور الحكم، كان الواقع الميداني قد تغيّر بشكل واضح، إذ يشير سليمان إلى أنه "في تلك المرحلة، كان الآخرون قد غادروا"، ويشدّد في الوقت نفسه على أن قرار البقاء لم يكن مبنيًّا على اعتبارات اقتصادية فقط، معتبرًا أن "الملّاحات بالنسبة إلينا ليست مشروعًا تجاريًا فقط، نحن تربّينا هنا وتعلّمنا منها، والدي تعلّم منها واعمامي كذلك، والعلاقة معها شخصية وليست علاقة استثمار فقط".

اقتصاديًا، يقرّ سليمان بأن إنتاج الملح لم يكن يوفّر دخلًا كافيًا لسنوات طويلة، إذ يقول: "قبل عام 2019، كنا نضع من جيوبنا، ولم يكن هناك ربح فعلي من الملح"، مشيرًا إلى أن العائد بالكاد كان يغطّي كلفة الصيانة.

ويشرح أن المشكلة الأساسية كانت في آلية السوق نفسها، حيث "كان التجّار يشترون الملح بسعر منخفض، ثم يخلطون كميات قليلة من الملح اللبناني مع كميات كبيرة من الملح المستورد، ويبيعونه على أنه ملح لبناني".

أمام هذا الواقع، بدأ التفكير بخيار مختلف منذ عام 2012، يقوم على الخروج من منطق البيع بالجملة، غير أن التنفيذ تأجّل لسنوات بسبب محدودية الجدوى الاقتصادية للملح الخام، إلى أن أُطلق المشروع عام 2022 تحت اسم "Evaura"، وهو اسم مأخوذ من اسمَي ابنتيه، إيفانا وأورورا، ويتابع سليمان: "اليوم، يضم المشروع عدة فئات وأكثر من 16 منتجًا، والدخل لا يزال محدودًا لكنه أوقف الخسارة، ولم نعد ندفع من جيوبنا كما في السابق". ومع الانتقال إلى التسويق والـbranding، أصبح التسجيل الرسمي ضرورة، ويشير سليمان إلى أن هذا المسار استغرق وقتًا طويلًا ولم يُنجز إلا مؤخرًا.

ويوضح سليمان أن المشروع يقوم على استئجار مساحات واسعة من الأراضي المحيطة برأس دير سيدة الناطور، مشيرًا إلى أن "الحديث كان عن أكثر من 900 ألف متر مربع منذ أواخر التسعينيات، وفي كل مرة كان المشروع يتقدّم ثم يتعثّر".

وبحسب ما يذكر سليمان، لم يكن المشروع معزولًا عن الغطاء السياسي، إذ يقول: "هذا المشروع كان مدعومًا سياسيًا، وترافق مع أسماء معروفة، من بينهم الرئيس الحريري، ونائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق فريد مكاري، والنائب الراحل موريس فاضل الذي تولّى متابعة الملف قبل وفاته ثم ابنه النائب السابق روبير فاضل، وعبدالله زاخم الرئيس السابق لجمعية المصارف، وكذلك الوزير والنائب السابق محمد الصفدي الذي انسحب لاحقًا من المشروع".

ويشير سليمان إلى أن المشروع طُرح أو أُعيد تداوله خلال مراحل سياسية مختلفة، قائلًا: "المشروع مرّ في مراحل حكومية عدّة، من مرحلة الرئيس الحريري، وبعدها طُرح في عهود الرئيسين فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي، وكل مرة كان يعود بطريقة مختلفة".

ويضيف أن الإدارة المالية للمشروع كانت واضحة المعالم، موضحًا أن "المشروع كان يُدار تحت اسم إنماء الناطور، وكانت الشركة الأساسية التي تديره هي    Malia Group  التابعة لوزير الدفاع السابق يعقوب صرّاف، الذي كان أيضًا جزءًا أساسيًا من المشروع".

وبحسب سليمان، لا يقتصر أثر المشروع على الملّاحات وحدها، بل يطال المحيط الطبيعي بكامله، إذ يقول "المشروع يتضمّن حفر الأرض بعمق يتراوح بين عشرة وخمسة عشر مترًا، وإدخال مياه البحر إلى الداخل، لإقامة منتجعات ومطاعم".

ويختم سليمان بتوضيح موقفه من حيث المبدأ، معتبرًا أن "المسألة ليست رفضًا للسياحة في حدّ ذاتها، بل رفض لنموذج سياحي إنشائي يدمّر ما تبقّى من ملّاحات، ويضرب التراث والبيئة والتاريخ في رأس دير سيدة الناطور، بدل أن يطوّر ما هو قائم".

جريج : في أنفه نظام بيئيّ نادر

في المقابل، يقدّم الناشط البيئيّ حافظ جريج في حديث لـ "كافيين دوت برس" مقاربة مختلفة للمسألة، فيؤكد جريج أن أنفه تُعدّ اليوم الموقع الوحيد في لبنان الذي لا تزال فيه ملّاحات عاملة، قائلًا "أنفه اليوم هي الوحيدة في لبنان التي لا تزال فيها ملّاحات، وكل المواقع الأخرى انتهت".

وفي ما يتعلّق بالأراضي الوقفية، يشير جريج إلى أن المتروبوليت إلياس قربان كان قد تنازل في مرحلة سابقة عن مساحات من أراضي الوقف، موضحًا أن "المطران قربان أعطى مساحات من أراضي الوقف لسياسيين، فيما يحاول المطران الحالي اليوم استعادة هذه الأراضي".

ويضيف جريج أن حجم المشروع المطروح كان واضحًا منذ بدايته، قائلًا "منذ البداية، كان الحديث عن أكثر من 900 ألف متر مربع، وهذه هي المساحات التي ذُكرت وهي أساس المشروع". وبحسب جريج، لم يُنظر إلى الملّاحات كمنظومة بيئية قائمة في حدّ ذاتها، بل جرى التعامل معها كفرصة ماليّة قابلة للاستثمار من دون أخذ خصوصيتها الطبيعية بعين الاعتبار.

وفي توصيفه لطبيعة المشروع المطروح، يستخدم جريج تعبيرًا مباشرًا، معتبرًا أن "هذا المشروع الصناعي جاء بطابع افتراسيّ وليس سياحيًّا ابدًا، دُفع بدل استثمار، ومن لم يقبل جرى الضغط عليه أو تهديده، كما دُمّرت ملّاحات في رأس الملّاحة عبر مشروع صناعي غير شرعيّ".

ويشير جريج إلى محطة يعتبرها مفصلية في السنوات الأخيرة، موضحًا أنه "في عام 2023، زار وزير السياحة بلدية أنفه، وعُقد مؤتمر أُعلن فيه أن رأس الملّاحة ورأس الناطور موقعان مخصّصان للسياحة البيئية".

ورغم حدّة توصيفه، يحرص جريج على توضيح موقفه المبدئي، قائلًا "أنا لست ضد أشخاص، أنا ضد أخطاء".

ويذكر جريج أيضًا دور بعض رجال الأعمال في المشروع، قائلًا: "كان هناك ستة رجال أعمال في المشروع، أربعة منهم توفوا".

وفي السياق البيئي والعلمي، يؤكد جريج أن المنطقة تضم نظامًا بيئيًا نادرًا وفريدًا، يشمل غابة قزمية ونباتات ريحان تنمو مباشرة من الصخر.

ويختم جريج بالدعوة إلى إعادة النظر في المرجعيّة الرسمية لإدارة الساحل، معتبرًا أن الخطأ الأساسيّ هو وضع الشاطئ اللبناني بالكامل تحت سلطة وزارة واحدة، ومشدّدًا على أن دور وزارة البيئة يجب أن يكون أساسيًّا في حماية الساحل والأنظمة البيئية، لا أن يُترك القرار حصريًّا لوزارة الأشغال.

في أنفه، المسألة ليست رفضًا للسياحة، بل رفضًا لمشروعٍ محدّد يقوم على إزالة ما تبقّى من ملّاحات ونظام بيئي وتراث إنتاجي، لصالح نموذج إنشائيّ يغيّر وجه الساحل نهائيًّا. ما يُطرح اليوم يتجاوز الاستثمار السياحي إلى إعادة تشكيل المكان من دون اعتبار لتاريخه أو خصوصيته البيئية.

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب