"لو بدنا نموت كنّا متنا": مياه القرى بين التحذيرات وثقة الأهالي!

 "لو بدنا نموت كنّا متنا": مياه القرى بين التحذيرات وثقة الأهالي!

"لو بدنا نموت كنّا متنا"، عبارة يردّدها أهالي كفور العربي في قضاء البترون – محافظة الشمال، كما يسمعها الزائر في الهبارية في قضاء حاصبيا – محافظة النبطية، كلّما طُرح الحديث عن تلوّث المياه. بين عين مياه قديمة في الشمال وخزان مياه يوزّع على المنازل في الجنوب، لا تزال مصادر المياه المحلية خيارًا يوميًا للسكان، رغم التقارير والتحذيرات والأسئلة التي تُطرح حول سلامتها.

 في القريتين، لا يبدو الحديث عن التلوّث كافيًا لتغيير سلوك الناس. فالمياه، بالنسبة إلى كثيرين، ليست مجرّد مورد يوميّ، بل جزء من نمط حياة قديم، ومن ثقة تراكمت عبر سنوات طويلة. في كفور العربي، يعتمد الأهالي على عين مياه قديمة، فيما تصل المياه في الهبارية إلى المنازل عبر خزان مخصّص للتوزيع. ورغم اختلاف المصدر، يتشابه الموقف: الاستمرار في الاستعمال، والتعامل مع التحذيرات بوصفها احتمالًا لا يرقى، في نظر السكان، إلى مستوى الخطر المباشر.

45.jpg 1.06 MB
في كفور العربي، تعبّر وفاء شديد، البالغة من العمر ٨٠ عامًا، عن هذا الموقف بوضوح. تقول إن عين المياه في تقول إن عين المياه في البلدة موجودة منذ آلاف السنين، وإن أهل القرية اعتادوا الشرب منها جيلًا بعد جيل. وتوضح "يوجد في البلدة نبع منذ آلاف السنين، وجميع أهل القرية يشربون منه. في كل فترة يُقال إن المياه ملوّثة، لكنني أشرب منها، وأولادي وأحفادي يشربون، وكلّ أهل القرية يشربون، ولم يُصب أحد بأي عوارض".

 وتضيف "لدينا قناعة بأن المياه الجارية والباردة لا تكون ملوّثة. طالما المياه تتحرّك، لا يحصل شيء، ولم يحدث معنا أي أمر صحي". بالنسبة إليها، هذه القناعة ليست فردية، بل يشاركها معظم أهالي البلدة الذين يرون في تجربتهم اليومية دليلًا كافيًا على سلامة المياه.

323.jpg 285.78 KB
في المقابل، يقدّم رئيس بلدية كفور العربي، المهندس جان بيار كنعان، قراءة مختلفة للواقع، مبنية على الفحوصات والدراسات التي أُجريت خلال السنوات الأخيرة. ويقول" منذ تولّيت رئاسة البلدية، أجرينا دراسات وفحوصات على المياه في أكثر من موقع، وتبيّن أن احتمالات أسباب التلوّث متعددة، منها الأسمدة التي تنجرف مع مياه الأمطار، وتأثير الماعز، إضافة إلى غياب نظام صرف صحيّ منظّم في قرية مجاورة".

 

ويضيف "آخر فحص أظهر أن المياه غير صالحة للشرب أو الطبخ أو الزراعة، لذلك طلبنا من الأهالي التخفيف من استخدامها". ويشير إلى أنّ الاستجابة لم تكن واحدة، موضحًا أن "الأهالي الذين يقيمون خارج البلدة الذّين كانوا يحملون المياه إلى بيروت خفّفوا استعمال المياه بشكل أكبر، فيما لا يزال معظم المقيمين داخلها يعتمدون عليها في حياتهم اليومية".

ويعزو كنعان ذلك إلى عدّة عوامل، منها التعلّق بعين البلدة بوصفها جزءًا من حياة الأهالي وذاكرتهم، إضافة إلى الأوضاع المادية التي لا تسمح للجميع بشراء المياه في شكل دائم، وغياب بديل متاح داخل البلدة.
وعن الحلول المطروحة، يشير كنعان إلى أن المسار الحالي هو المعالجة، قائلاً "الحلّ الأساسي هو تركيب نظام فلترة للمياه، ونعمل على هذا الخيار، ومن المتوقّع أن يكون جاهزًا خلال شهر إلى شهرين".
هذا التباين بين تجربة الأهالي اليوميّة ونتائج الفحوصات لا يقتصر على كفور العربي وحدها. فبالنسبة إلى السكان، تُقاس سلامة المياه بما عاشوه فعليًا، لا بما يُكتب في تقرير. سنوات طويلة من الشرب من المصدر نفسه، من دون تسجيل حالات صحية خطيرة، تتحوّل إلى دليل كافٍ، في نظرهم، لمواصلة الاستعمال. في المقابل، تنطلق المقاربة البلديّة من معايير مختلفة، تقوم على الفحص العلمي والوقاية، حتى في غياب أعراض واضحة.

1987.jpg 200.08 KB
في الهبارية، حيث تصل المياه إلى المنازل عبر خزان مخصّص للتوزيع، تبدو العلاقة مع المياه أكثر تردّدًا. تقول خلود أبو همين، أم لثلاثة أولاد، إن المشكلة ليست ثابتة، بل تظهر من وقت إلى آخر. وتوضح "لا توجد تقارير رسمية ثابتة تؤكد وجود تلوّث دائم، لكن من وقت إلى آخر يحصل تسرّب، أو تُؤخذ عيّنة للفحص وتظهر نتيجة ملوّثة". وتشرح أسباب استمرار الأهالي في استخدام المياه" التي تصل مباشرة إلى المنازل، وهي سهلة الاستعمال، ولا تتطلّب جهدًا مثل المياه المعبّأة. أحيانًا يُصاب أحد أفراد العائلة بإسهال، فنظنّ أنه ربما من المياه، لكن لا يصاحبه ارتفاع الحرارة، وقد يكون سببه الطعام".

وتضيف "نحن تربّينا على هذه المياه، والقرار مرتبط بالتعوّد وبالمناعة. في فصل الشتاء أتخوّف من استخدامها، فألجأ إلى المياه المعبّأة لأيام، ثم أعود إلى استعمالها".

من جهته، يقول رئيس بلدية الهبارية، محمد أبو عسلي، إن مسألة التقارير لا تشكّل هاجسًا فعليًا لدى الأهالي. ويوضح " لا أحد يسأل عن التقارير، الجميع يشرب من المياه، ولم يتأثّر أحد. ظهرت مرّة أو مرّتين تقارير تشير إلى تلوّث، لكن الناس استمرّت في الشرب ".

ويضيف "المياه مصدرها جبل الشيخ، ونطلب فحوصات في شكل دائم، ويتم إضافة الكلور عند الحاجة. وحتى في المرات التي قيل فيها إن المياه ملوّثة، أظهرت الفحوصات المخبرية لاحقًا أنها غير ملوّثة، ما عزّز ثقة الأهالي".

بين الشمال والجنوب، وبين عين مياه وخزان توزيع، تتقاطع تجارب الأهالي أكثر مما تختلف. فبين ما تقوله الفحوصات وما يقوله الناس، تبقى القرارات اليوميّة محكومة بالعادات، وبسهولة التوفّر، وبثقة تشكّلت عبر سنوات طويلة. وبين عبارة "لو بدنا نموت كنّا متنا" والتحذيرات المتكرّرة، يستمر الجدل معلّقًا، في انتظار حلول دائمة قد تغيّر علاقة القرى بمصادر مياهها.

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب