جامعيّون يختارون الزراعة وتربية الماشية مسارًا مهنيًّا في زمن الهجرة والشهادات
رغم الحديث الدائم عن التطوّر، الوظائف الحديثة، والعمل عن بُعد، ورغم الصورة التي تُرسم باستمرار عن الشباب اللبناني بوصفه جيلًا يسعى إلى الهجرة أو إلى وظيفة مكتبية "مضمونة"، لا يزال هناك شباب يسلكون طريقًا مختلفًا تمامًا. شباب في العشرينات من عمرهم يستيقظون قبل طلوع الشمس، لا ليتفادوا زحمة السير، بل ليلحقوا بالأرض. يحملون أدوات الزراعة بدل الحواسيب المحمولة، ويتنقلون بين الخيم الزراعية بدل المكاتب، ويربّون الماشية في وقت يعتبر البعض فيه أن هذه المهن أصبحت من الماضي.
فعلى عكس ما يعتقد البعض، لا يزال هناك من يزرع، ومن يحلب الأبقار، ومن يقضي يومه بين المواسم والقطاف، في مشهد يبدو أحيانًا خارج السردية السائدة عن "النجاح". فبينما يتجه كثيرون نحو شهادات جامعية ووظائف حديثة أو يحزمون حقائبهم بحثًا عن مستقبل في الخارج، يختار هؤلاء البقاء. فهل هو خيار اضطراري؟ أم قناعة؟ أم إعادة تعريف لمعنى الاستقرار؟
في بلد ترتفع فيه نسب البطالة بين الشباب، وتتزايد فيه طلبات الهجرة عامًا بعد عام، باتت الشهادة الجامعية تُقدَّم غالبًا كالمسار الوحيد نحو النجاح أو الأمان. داخل هذا التصوّر السائد، تتحوّل الوظيفة المكتبية إلى معيار للاستقرار، بينما تُدفع المهن اليدوية، ومنها الزراعة وتربية الماشية، إلى هامش الطموح. ومع تراجع الدعم الرسمي للقطاع الزراعي وتقلّب الأوضاع الاقتصادية، بدا وكأن الأرض لم تعد خيارًا جذابًا لجيل جديد نشأ على فكرة أن المستقبل يوجد خارج الحدود أو خلف مكتب.
في هذا السياق، تبرز تجارب شبابية اختارت مسارًا مختلفًا عن المتوقع. فعبدو رزق مثلًا، شاب في العشرينات من عمره، طالب صحافة في جامعة الروح القدس – الكسليك وصاحب خيم زراعية، لا يرى أن الطريق التقليدي هو بالضرورة الطريق الصحيح. يقول في حديث لـ "كافيين دوت برس": "قد يعطي المكتب أمانًا شكليًّا، وقد تكون الهجرة نوعًا من الهروب من الواقع الذي نعيشه، لكنها ليست حلًّا." بالنسبة إليه، الزراعة ليست مجرد عمل يدوي، بل علاقة يومية مع معنى مختلف للحياة. يضيف "الزراعة أعطتني إحساسًا أنني أبني شيئًا بيدي. ليست دوامًا أُكمله بلا معنى، بل علاقة مباشرة مع الأرض، مع الوقت، مع النتيجة".
ويرفض رزق النظرة التي تعتبر الزراعة مهنة بلا مستقبل، مؤكدًا أن الصورة تغيّرت "من يقول إن هذا العمل لا مستقبل له هو جاهل. الزراعة اليوم لم تعد كما كانت قديمًا. فيها علم، فيها إدارة، تسويق، تكنولوجيا". ويرى أن التحوّل نحو الغذاء الصحي يمنح هذا القطاع أهمية متزايدة "الناس بدأت تتجه نحو الأكل الصحي، خصوصًا الخضار. لذلك هذه المهنة ستلعب دورًا أساسيًا في المستقبل، لأنها لا يمكن أن تُستبدل بالذكاء الاصطناعي، لأنها تحتاج إلى تربة وعمل وماء."
يبدأ التحضير للموسم منذ شهر أيار، وينتهي في منتصف شهر تشرين الثاني، وتبلغ ذروة العمل خلال أشهر تموز وآب وأيلول وتشرين الأول. أما الدراسة الجامعية فتبدأ في أوائل أيلول، ما يجعل تلك الفترة من الأكثر ازدحامًا خلال السنة. يقول عبدو"في هذا الوقت أستيقظ باكرًا جدًا، فأغادر نحو سوق الخضار قرابة الثالثة والنصف فجرًا لأصل حوالي الخامسة، حيث أفرغ البضاعة وأوزّعها بحسب أنواعها: البندورة بأصنافها (الكرزية والمعلّقة والبلدية)، إضافة إلى الخيار والفليفلة الخضراء والحمراء والصفراء والحارة، واللوبيا وغيرها. بعد ذلك أعود إلى المشروع لأعطي التوجيهات للعمّال حول المهام اليومية، من ريّ المزروعات إلى سائر الأعمال اللازمة، وأتابع كل التفاصيل بنفسي.
ثم أذهب إلى الجامعة، وعند عودتي أرجع إلى المشروع لأجري الحسابات وأتفقد العمل خيمةً خيمة، وأعيد تحميل الشاحنة استعدادًا للنزول في اليوم التالي. أستمر على هذا النحو حتى منتصف تشرين الثاني، حيث يتوقف العمل بسبب ارتفاع موقع المشروع إلى نحو 1450 مترًا فوق سطح البحر. عندها أزيل أغطية النايلون، وأنظّف المكان، وأبدأ بالتحضير لموسم الشتاء، متفرغًا بشكل أكبر للجامعة.إلى جانب الزراعة، أعمل خلال فصل الشتاء في مجال بيع المياه، ما يؤمّن مصدر دخل إضافي خارج الموسم الزراعي.
من الناحية الاقتصادية، يصف الزراعة بأنها صادقة "الزراعة لا تكذب عليك. تربح بقدر تعبك وذكائك وسهرك. لكن من يدخلها بعشوائية سيخسر ويتعب." ويضيف أن هذه المهنة ليست هامشية كما يُعتقد، بل كانت سببًا في بناء بيوت وتعليم أجيال: "هذه المهنة فتحت بيوتًا وربّت عائلات، وعلّمت الناس، وأوصلتهم إلى مراكز ومراتب عالية." بالنسبة الى عبدو، الزراعة مدرسة "تعلّمك الصبر، واحترام الوقت والطقس، والأهم التواضع، لأن الطبيعة أقوى من الإنسان دائمًا." ويختم مؤكدًا تمسكه بهذا المسار "أعمل على خطة طريق لأتمكن في المستقبل من التوفيق بين عملي كصحافي وعملي كصاحب مشروع زراعي."
وفي مقابل من بدأ طريقه في الزراعة مبكرًا، هناك شباب سلكوا أولًا طريق الجامعة والتخصصات الحديثة، قبل أن يكتشفوا أن مكانهم الحقيقي بقي مرتبطًا بالأرض.
فزياد وهو أيضًا في العشرينات من عمره، سلك طريقًا مختلفًا قبل أن يعود إلى الأرض. بدأ دراسته في الهندسة الكهربائية ثم قرر التوقف. يقول في حديث الى "كافيين دوت برس" درست "سنة هندسة كهرباء، لكن لم أجد نفسي فيها. شعرت أنني أمشي في طريق لا يشبهني". والده يعمل في تربية الماعز منذ كان في العشرينات من عمره، واليوم، في الخمسينات، لا يزال مستمرًا. ومع توسّع المشروع العائلي، شعر زياد أن مكانه هناك.
يوضح"لدينا مشروع خيم زراعية، نزرع خضارًا متنوعة مثل الخيار والبندورة والبازلاء، ولدينا ماعز وأبقار. بدأنا نبيع الحليب واللبنة والجبنة، ولاحظت مع الوقت أنني أحب هذا العمل أكثر". لم يكن القرار مجرد ترك للجامعة، بل إعادة تموضع كاملة في الحياة اليومية. ويضيف"والدي كان بحاجة إلى من يساعده ويدير الأمور. المهنة بالنسبة إليه ذهب، فقلت إن أفضل شيء أن أترك الدراسة وأتفرغ للمشروع."
اليوم، يشرف زياد على العمل اليومي ويتابع الإنتاج والتسويق. يقول "وصلنا إلى مرحلة لم نعد نبيع فيها يومًا بيوم، بل لدينا زبائن دائمون. أنا أتابع وأشرف على العمل." بالنسبة اليه، المسألة ليست رفضًا للتعليم بقدر ما هي إعادة تعريف للنجاح "من لديه مصلحة واضحة لا يجب أن يلاحق الجامعة فقط ليحصل على شهادة يعلّقها على الحائط. الأهم أن يتمسك بمصلحته ويطوّرها".
تشكّل البقرة جزءًا أساسيًا من دورة الإنتاج في المزرعة، إذ تمتد فترة حملها تسعة أشهر، وبعد الولادة يبدأ إنتاج الحليب الذي يشكّل عنصرًا رئيسيًا في العمل. إلا أنّ هذا الإنتاج يرتبط بدورة طبيعية. فمع حدوث حملٍ جديد، يتوقف الحليب قبل الولادة بحوالي شهرين لتأخذ البقرة فترة راحة ضرورية، ثم تعود للإنتاج بعد الولادة.
ورغم هذا التوقف الموقت، لا يتعطل العمل كليًا، لأننا نعتمد على تنويع مصادر الإنتاج بين الأبقار والماعز والغنم. فعندما يتراجع إنتاج أحدها بسبب الحمل أو تبدّل المواسم، يعوّضه الآخر. وبهذا تبقى دورة الإنتاج مستمرة على مدار السنة، ولو بدرجات متفاوتة، ما يسمح لنا بالحفاظ على استقرار العمل وتنظيمه وفق إيقاع المواسم.
إذا كانت الزراعة في جيل الأهل مرتبطة غالبًا بالضرورة أكثر من الاختيار، فإن ما يلفت في تجربة عبدو وزياد هو أن القرار اليوم يبدو أكثر وعيًا. آباؤهم عملوا في الأرض لأنها كانت متاحة امامهم، ولأن البدائل كانت محدودة. أما هؤلاء الشباب، فقد عرفوا خيار الجامعة والهجرة والعمل المكتبي، ثم عادوا إلى الأرض بقرار شخصي. الفرق هنا لا يكمن فقط في نوع العمل، بل في معنى الاختيار نفسه. فبين جيلٍ زرع لأنه لم يكن أمامه طريق آخر، وجيلٍ يزرع بعدما رأى طرقًا أخرى، تتغيّر دلالة المهنة، ويتحوّل التراب من اضطرار إلى قناعة.
في بلد تتوالى الأزمات بلا توقف، لم يعد التعلّق بالأرض مجرد خيار اقتصادي، بل تحوّل إلى فعلٍ يومي من الصمود والمسؤولية. هؤلاء الشباب لا يزرعون الخضار فقط ولا يربّون الماشية فحسب، بل يرسمون لأنفسهم مستقبلًا مختلفًا رغم كل التحديات.
