اللبنانيون يفقدون سمة التهذيب
هل فقد اللبنانيون التهذيب؟ سؤال قد يبدو أخلاقيًا أو حتى استفزازيًا، لكنه في الحقيقة سؤال اجتماعي بامتياز، يخرج من التفاصيل اليومية الصغيرة التي لم تعد صغيرة. في المصعد مثلًا، حيث كانت التحية سابقًا جزءًا تلقائيًا من العيش المشترك، صار الصمت هو القاعدة. يدخل أشخاص غرباء، يقفون متلاصقين لبضع ثوانٍ، يحدّق كل واحد في شاشة هاتفه أو في نقطة غير مرئية، ثم يخرجون بلا كلمة واحدة. لا "صباح الخير"، لا ابتسامة، لا أي إشارة بسيطة تعترف بوجود الآخر.
هذا المشهد لا يقتصر على المصعد. بل يبدو أنه يمتد إلى تفاصيل يومية كثيرة في الحياة اللبنانية. في طوابير الانتظار في السوبرماكت أو الأفران، تتراجع المجاملة لصالح التوتر، ويختفي احترام الدور تحت ضغط الاستعجال والضيق. وفي الشارع، لم يعد الاعتذار تلقائيًا عند الاحتكاك العابر، بل صار الغضب لغة سريعة، والزمور وسيلة تواصل أكثر حضورًا من الكلمات. حتى السير نفسه بات في كثير من الأحيان أشبه بصراع دائم على الأولوية، لا مساحة مشتركة يفترض أن يتقاسمها الجميع.
ولا يتوقف الأمر عند الفضاء العام فقط، بل ينسحب أيضًا إلى الحياة السكنية واليومية الأقرب. في الأبنية، تتآكل فكرة الجيرة أمام ضجيج الأطفال ( وحتى الكبار)في الممرات، والموسيقى الصاخبة في ساعات متأخرة، وأعمال التصليح والصراخ والضجة وكأن لا أحد يسكن قرب أحد. كما تتكرر مظاهر التعدّي على مساحة الآخرين، من ركن السيارات في أماكن ممنوع الوقوف فيها أو إغلاق مداخل الجيران بحجة "دقيقة وبرجع"، إلى احتلال الأرصفة وإجبار المشاة على المشي في الشارع.
في أماكن العمل والمقاهي، تراجعت الأحاديث العابرة التي كانت تصنع ألفة بسيطة بين الغرباء. لم يعد هناك حديث أمام آلة القهوة، ولا سؤال خفيف مثل "كيفك؟" من دون سبب. أما في الإدارات العامة، فالدخول غالبًا ما يكون مشحونًا مسبقًا: نبرة حادة، توتر متبادل، وشعور عام بأن الاحترام ترف لا مكان له في نظام منهار. حتى في المدارس والجامعات، يُلاحظ تغير في العلاقة بين الطلاب، وبين الطلاب والأساتذة، حيث تسود السرعة والاختصار والتوتر بدل التفاعل الهادئ.
في مسرحية "صح النوم" تقول فيروز لشاكر الكندرجي "روح يا بلا مربى"… عبارة ساخطة تحمل مرارة تشبه ما نراه اليوم. الناس بلا طعم الكلام، بلا زينة المجاملة، بلا قدرة على التلطيف. لكن ما نلاحظه في المصعد، وفي الطوابير، وفي الشارع، لا يبدو مجرد تفصيل عابر أو مسألة "ذوق" فردي. فهل نحن أمام تراجع فعلي في اللياقة العامة واحترام المساحات المشتركة؟ أم أن ما يتبدّى كاختفاء للتحية والمجاملة هو انعكاس لتحوّل أعمق في شكل العلاقات الاجتماعية نفسها، تحت ضغط الأزمات المتلاحقة والانكفاء نحو العزلة والرقمنة؟
السلوك في حدّ ذاته شكل من أشكال الكلام. ما لا نقوله بأفواهنا، نقوله بتصرفاتنا في المساحات المشتركة. اختصاصية علوم الإعلام والتواصل والمحاضرة الجامعية جلنار دعيبس مالك ترى أن ما نشهده اليوم لا يمكن فصله عن السياق العام الذي يعيشه لبنان. تقول: "من المهم ملاحظة التغيرات ضمن سياقها وتحليل العوامل والمتغيرات. المجتمع اللبناني يواجه أزمات غير مسبوقة. اكتئاب اقتصادي طويل الأمد، وشعب ينتقل من أزمة إلى أخرى دون انقطاع تقريبًا". منذ سنوات، يعيش اللبنانيون في حالة ضغط دائم، من انهيار اقتصادي إلى أزمة سياسية واجتماعية، من دون أي فسحة استقرار تسمح بإعادة التوازن.
وترى مالك أن هذا الواقع أنتج إرهاقًا يتجاوز الفرد ليصبح حالة جماعية. تضيف "اليوم تظهر علامات واضحة لما يمكن تسميته إرهاقًا منظوميًا. بل علامات أزمة عميقة في الإنسان. هذا الإرهاق يظهر في السلوكيّات وردود الفعل، والسلوك يعني تواصلًا". حين يختفي السلام، لا تختفي فقط كلمة، بل يختفي معها الاعتراف بالآخر، والقدرة على بناء علاقة ولو عابرة في مساحة مشتركة.
لكن ما يحدث في لبنان ليس معزولًا عن العالم. العزلة الاجتماعية تتزايد عالميًا، والمساحات التي كانت تُنتج لقاءات بسيطة تتآكل تدريجيًا. تقول مالك: "العزلة الاجتماعية، وفقدان الطابع الودّي في أماكن اللقاء. وكذلك تفتت العلاقات العائلية والصداقات، هي ظواهر ملاحظة على مستوى العالم". غير أن لبنان يعيش هذه التحولات بحدة مضاعفة، لأن المجتمع لا يواجه فقط تغيرًا ثقافيًا، بل انهيارًا في شروط العيش الأساسية.
إلى جانب ذلك، يأتي العامل الرقمي ليعيد تشكيل العلاقات اليومية. لم يعد الإنسان حاضرًا بالكامل في المكان الذي يقف فيه. في الحافلات، في قاعات الانتظار، في الجامعات، وحتى في اللقاءات العائلية، الحضور موزع بين الواقع والشاشة. تشرح مالك ذلك بوضوح حين تقول: "العالم الحديث متجذر في بيئة شبكية. مجتمع مترابط، معرض للشاشات، رقمي بالأساس. وهذا يؤدي إلى تعديل في الطريقة التي يدرك بها الأفراد أنفسهم ويتفاعلون مع الآخرين". المصعد لم يعد مساحة لقاء، بل مساحة انتظار صامت بين إشعار وآخر.
حتى التفاعلات اليومية الصغيرة التي كانت تحافظ على الحد الأدنى من الروابط الاجتماعية لم تختفِ تمامًا، لكنها تغيّرت جذريًا. تقول مالك: "ما تسمونه التفاعلات اليومية الصغيرة ما زالت موجودة ولكن بأشكال مختلفة: emojis، posts، hashtags…". فالعلاقات لم تعد تُصنع في المصعد أو أمام آلة القهوة أو في الممرات الجامعية كما كانت، بل تُدار اليوم عبر متابعين وإعجابات وتصنيفات رقمية جديدة تُعيد تعريف القرب والبعد: friends، followers، likers، haters، fans في هذا التحوّل، لم تعد المجاملة وجهًا لوجه شرطًا للتواصل، لأن التواصل نفسه انتقل إلى بيئة أخرى.
وتشرح مالك أن العالم الحديث بات متجذرًا في ما يسميه الباحثون "مجتمع الشبكة"، حيث أصبح الإنسان محاطًا بالرقمي بشكل دائم. تقول: "العالم الحديث متجذر بعمق في بيئة شبكية، مجتمع مترابط، معرض للشاشات، رقمي بالأساس". وهذا الواقع لا يغيّر فقط طريقة تفاعل الأفراد مع بعضهم، بل يغيّر طريقة إدراكهم لأنفسهم أيضًا، لأن الهوية لم تعد تُبنى فقط في المجال الواقعي بل في المجال الافتراضي.
في بلد يعيش أزمة ثقة وتضامن، يصبح الصمت أكثر من مجرد مزاج شخصي. إنه عرض اجتماعي. وربما لا يكون اللبناني أقل تهذيبًا مما كان عليه، لكنه أكثر تعبًا، أكثر انغلاقًا، وأكثر انسحابًا من الفضاء العام. التهذيب ليس فقط مسألة أخلاق فردية، بل طاقة اجتماعية تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار، وإلى شعور بأن الآخر ليس تهديدًا بل شريكًا في المساحة.
وترى مالك أن الخروج من هذا الانحدار الصامت يحتاج إلى وعي جماعي وإلى إعادة بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع، وتقول: "يوصى بشدة بنشر نتائج الأبحاث وتبسيطها للعامة، وإطلاق حملات توعية، وإنشاء خلايا دعم واستماع لخلق وعي جماعي يعزز آليات حماية فردية وجماعية". فالقضية ليست فقط أن نعيد كلمة صباح الخير"، بل أن نعيد المعنى الذي يجعلها ممكنة.
في النهاية، قد لا يكون اللبناني قد فقد تهذيبه بالكامل، لكنه يعيش في زمن يفقد فيه الإنسان الكثير من نفسه. وفي المصعد، وفي الطابور، وفي الشارع، وفي تفاصيل الحياة اليومية، لا نسمع مجرد صمت عابر، بل نسمع مجتمعًا متعبًا، ينسحب تدريجيًا من إنسانيته الصغيرة. وكأن فيروز تهمس من بعيد، لا كشتيمة بل كتنبيه مرّ: "روح يا بلا مربى".