تهديدات وتحرّكات قضائيّة في شتورة: مبنى "البعث" إلى الواجهة بعد عقود
المبنى في شتورة
لم تكن البلبلة التي شهدتها بلدة شتورة أول من أمس مجرّد إشكال عابر كما بدا في الساعات الأولى، بل سرعان ما تبيّن أنّ خلف هذه الحادثة ملفًا قديمًا يعود إلى عقود، يرتبط بمبنى مهجور وتاريخ طويل من الاستعمال السياسي والتجاذبات التي أعادت القضيّة إلى الواجهة من جديد. وفي متابعة دقيقة لتفاصيل ما جرى، علم "كافيين دوت برس" أنّ للقضية أبعادًا قانونيّة دقيقة، إلى جانب حساسيات الواقع المحليّ والتوازنات السياسيّة التي لا تزال تلقي بظلالها على البلدة.
وتعود خلفيّة القضيّة إلى مبنى يقع ضمن نطاق بلدية شتورة في حي جلالا، وهو عقار يعود في الأصل إلى عائلة أرمنيّة كانت تًقيم في المنطقة قبل أن تهاجر منذ سنوات طويلة إلى خارج لبنان، دون أن يترك أصحابها ورثة معروفين يتابعون ملكية العقار. وخلال مرحلة الاحتلال السوري في لبنان، وعلى مدى ما يقارب أربعين عامًا، استخدم هذا المبنى حزب "البعث" الذي شغله طوال تلك الفترة بحكم الواقع السياسي السائد آنذاك، حين كان الحزب يتمتع بنفوذ واسع نتيجة ارتباطه بنظام الرئيس السوري حافظ ومن ثم بشار الأسد الذي كان صاحب الكلمة الأقوى.
ومع سقوط نظام الأسد، جرى إقفال المبنى ومغادرته، ليبقى مهجورًا لفترة طويلة من الزمن. ومع مرور الوقت، عاد الملف إلى الواجهة على المستوى البلدي، حيثُ بادر رئيس بلدية شتورة، ميشال مطران، إلى الاستفسار عن الوضع القانوني للعقار، ليتبين من خلال إفادة عقارية أنّ الملكيّة تعود إلى أصحاب متوفين من دون وجود ورثة مسجّلين، وهو ما يفتح الباب قانونيًا أمام احتمالات عدّة بشأن مصير العقار، من بينها إمكانيّة انتقاله إلى البلدية وفق الإجراءات القانونيّة المعتمدة في مثل هذه الحالات.
وقبل المضي في أي خطوة قانونيّة، بادر مطران إلى التواصل مع رئيس حزب الراية الوطنيّة، علي حجازي للاستفسار عن خلفيات الملف، باعتباره أحد الأسماء المرتبطة بالمبنى في المرحلة السابقة، إلاّ أنّ الاتصال لم يلق أي تجاوب. وعلى أثر ذلك، تحركت البلدية ميدانيًا عبر ارسال جرافة لإزالة بعض الموجودات والتعديات المحيطة بالمبنى والتي كانت متراكمة في محيطه.
وبالتوازي مع هذه الخطوة، جرى التواصل مع المدعي العام في البقاع آنذاك منيف بركات في آب 2025، حيث طُلب وضع المبنى تحت الحراسة القضائيّة، وذلك بهدف منع أي جهة من إعادة احتلاله أو استخدامه خارج الأطر القانونيّة. وقد أعطى المدعي العام إشارة بالحراسة القضائيّة، ما أتاح لمطران الصلاحيات الكاملة على المبنى بصفته عقارًا خاضعًا للإشراف القضائي.
ومع تجدّد الحرب وتعرّض عدد من قرى البقاع للقصف، سارعت البلدية إلى اتخاذ خطوة استباقيّة، هدفت إلى منح المبنى وظيفة واضحة تخدم أبناء البلدة، وفي الوقت نفسه منع استغلاله مجددًا لأي أغراض أخرى خارج الإطار الخدماتي العام. وعلى هذا الأساس، جرى وضع لافتة على المبنى تحمل اسم "مستوصف شتورة"، وبدأت مبادرة لتوزيع الأدوية على الأهالي في إطار تحويل العقار إلى مرفق خدماتي يستفيد منه سكان البلدة، غير أنّ هذه الخطوة لم تلق قبولًا لدى حزب "الراية الوطنيّة"، حيثُ تلتها اتصالات تهديد طالبت بإغلاقه بشكل فوري. ومع رفض رئيس البلدية لهذا الطلب، أقدم بعض الشبان على تشويه اللافتة عبر رشّها باللون الأسود في محاولة لطمسها.
وعلى إثر ذلك، تحرّك رئيس البلديّة وتقدم بشكوى قضائيّة على خلفيّة ما جرى، ليدخل الملف في مسار قانوني واضح في ظل الحديث عن إمكان اتخاذ إجراءات قضائيّة في حق المتورطين في الحادثة في حال استمرار التصعيد. وفي المقابل، تدور في الكواليس تحركات واتصالات تهدف إلى إيجاد مخرج لهذه القضيّة ومحاولة احتوائها، عبر وساطات تسعى إلى إقناع مطران بالتراجع عن الدعوى وتسوية الملف بعيدًا عن القضاء. إلاّ أنّ المستوصف، بالرغم من الشكاوى والتهديدات، واصل أداء مهامه بشكل كامل، رافضًا الانصياع لأي ضغوط خارج الإطار القانوني، مواصلاً عمله خدمةً لأهالي البلدة ومثبتًا صموده في وجه محاولات المساس بالمرفق العام.