ليلة واحدة قلبت حياة مئات الأسر وزحلة لبّت النداء بكل مسؤوليّة

ليلة واحدة قلبت حياة مئات الأسر  وزحلة لبّت النداء بكل مسؤوليّة

نازحون في زحلة

لم تكن الساعات الأولى من فجر الثلاثاء كسائر الليالي. ففي لحظة، انقلب هدوء الليل إلى حالة استنفار غير مسبوقة، ليجد مئات الأهالي في مناطق البقاع أنفسهم أمام قرار الرحيل الفوري. لم يكن هناك وقت للتفكير الطويل أو ترتيب الأمتعة، فبينما كان معظم السكان غارقين في نومهم، دوّت أصوات الرصاص قرابة الرابعة فجرًا، بعدما أطلق بعض المواطنين النار في الهواء لتحذير الجيران من ضرورة المغادرة سريعًا حفاظًا على أرواحهم.
 
 خلال دقائق معدودة، تبدّلت ملامح ليلة كاملة. استطاعت بعض العائلات جمع ما تيسر من مستلزماتها على عجل، فيما خرج آخرون وهم يرتدون ما كانوا عليه فقط. في الشوارع والساحات، تلاقت العائلات في شكل فوري، كل منها تحمل قليلها من الحاجيات، والقلوب مثقلة بالقلق والأسئلة المفتوحة على كل الاحتمالات.

وبينما كانت وجهة البعض محدّدة، بقي المسار مجهولًا للآخرين، في نزوح محفوف بالقلق والمجهول. اتجه قسم من العائلات نحو بلدة دير الأحمر، التي جسّدت خلال الحرب الماضية محطة رئيسيّة لاستقبال آلاف النازحين، فيما اختار آخرون مدينة زحلة بحثًا عن أمان أكبر. ومع تصاعد أعداد الوافدين، تجاوزت هذه المدينة دورها كعاصمة للبقاع أو كمركز اقتصادي واجتماعي، لتتحوّل إلى فضاء إنساني شامل يحتضن العائلات الآتية من مختلف مدن وقرى البقاع والمناطق المجاورة، لتصبح بذلك القلب النابض للتحديات الإنسانيّة التي فرضتها الحرب على لبنان.
 
 غير أنّ الواقع لا يُقاس بالأرقام وحدها. فكثيرون وصلوا إلى زحلة منهكين، ومرهقين من الطريق والصدمات، تلاحقهم أسئلة ثقيلة: أين سنقيم؟ ماذا سيكون مصير منازلنا وأرزاقنا؟ وماذا يحمل الغد؟
 
 استقرار أعداد النازحين

 
 رغم قسوة المشهد وتعقيداته، تواجه "عروسة البقاع" هذا الواقع بروح عالية من المسؤوليّة، مدركة مكانتها كمدينة حاضنة لكل طوائف البقاع، ليس في أوقات الازدهار فحسب، بل في أصعب اللحظات التي تمر بها البلاد. فالمدينة لا تهاب الأعداد الكبيرة من الوافدين، إنّما تتولّى بحكمة تنظيم هذا التدفق، لضمان استقرار الجميع على أرضها، سواء كانوا من أبنائها أو من العائلات النازحة، مؤكدًة بذلك قدرتها على الجمع بين الإنسانيّة والتنظيم في آن واحد.
 
 وفي قلب هذا الجهد، يبرز الدور الاستثنائي لشرطة البلدية، التي تعمل على مدار الساعة لتنظيم وصول النازحين وإدارة الواقع الميداني بدقة وهدوء. فقد انتشرت العناصر في نقاط متعدّدة لاستقبال العائلات وتوجيهها إلى أماكن الإقامة المناسبة، وتنظيم حركتها داخل المدينة بما يحافظ على الاستقرار العام، فعمل الشرطة لا يقتصر على التوجيه، بل يشمل تسجيل العائلات فور وصولها، وتدوين بياناتها وأرقام التواصل معها، ومعرفة وجهتها داخل المدينة، سواء إلى مراكز الإيواء، أو شقق سكنية، أو فنادق، أو منازل أقاربها ومعارفها، وبالتالي يتيح هذا التنظيم للبلدية متابعة أوضاع النازحين واحتياجاتهم، وإصدار تقارير يومية عن أعداد العائلات ومواقع توزيعها.
 وبفضل هذه الخطة والعمل الميداني المتواصل، لم تُسجّل أي إشكالات تُذكر بين أهالي زحلة والعائلات الوافدة، فالمدينة تدير هذا الملف بهدوء وروية، فيما يسهم التنظيم الواضح في الحدّ من أي توتر محتمل، ويعزز روح التعاون والتضامن بين الجميع، بحيث أنّه حتى الأمس القريب، بلغ عدد العائلات الوافدة إلى زحلة نحو 350 عائلة، توزعت بين 150 عائلة في مراكز الإيواء، و140 عائلة في شقق سكنية، و70 عائلة في الفنادق. هذا الرقم يعكس حجم الضغط الإنساني على المدينة، وحجم الجهد التنظيمي الذي تبذله البلدية وشرطتها لإدارة هذا الواقع المعقد.
 بلدات "أمل" في قلب النزوح
 
تختلف موجة النزوح الحالية في شكل واضح عن تلك التي شهدها البقاع خلال حرب الستة والستين يومًا. ففي تلك الحرب، كان القصف يتركز على بلدات محدّدة، أمّا اليوم فقد طال القصف بلدات ذات غالبية تابعة لحركة "أمل" أيضًا، ما يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل بلدات شيعيّة عدّة، وزيادة الضغط على المدن والبلدات المستقبلة للعائلات الفارّة من مناطقها. ففي خضم هذا النزوح المفاجئ، أصبح هاجس التعليم حاضرًا بقوة في أذهانهم، إذ يمثل استمرارية الدراسة أحد أهم عناصر الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال، ورافدًا أساسيًا لإحساسهم بالأمان وسط الفوضى والصدمة.
برز هنا خيار التعليم عن بُعد كحلّ مؤقت وحيوي، يتيح للأهالي الحفاظ على مسار أبنائهم الدراسي رغم الظروف الاستثنائيّة، ويمنح الأطفال شعورًا بالانتظام وسط التغيرات المفاجئة، عندها سارعت العديد من المدارس إلى اعتماد الحصص عبر الإنترنت ومنصات التعليم الإلكتروني، حفاظًا على التواصل بين الأساتذة والتلامذة وضمان استمرار العملية التعليميّة دون انقطاع.
 

وفي أماكن النزوح، بات مشهد الأطفال وهم يتابعون دروسهم عبر الهواتف أو أجهزة الحاسوب مألوفًا ومؤثرًا، يجلسون في زوايا الغرف أو داخل مراكز الإيواء، محاولين التركيز وسط الضجيج والظروف الصعبة المحيطة بهم. ورغم تحديات التعليم عن بُعد، مثل ضعف الإنترنت أو محدودية الأجهزة، فإنه يظل نافذة أمل تمنح الأطفال شعورًا بالروتين والانتظام، وتخفف من وطأة الصدمة التي يفرضها النزوح  المفاجئ.

 

بين صدمة الرحيل وثقل التساؤلات حول المستقبل، يبقى المشهد الإنساني في زحلة شهادة حيّة على قدرة الإنسان والمجتمع على الصمود والتضامن. هنا، حيثُ يلتقي القلق بالأمل، يتحوّل النزوح من مأساة فرديّة إلى تجربة جماعيّة تُبرز التنظيم، والروح الإنسانيّة، والتعاون بين الأهالي والبلدية وشرطة المدينة. ومن صعوبة النزوح ومرارة الفقد إلى صمود الأطفال في دروسهم عن بُعد، يظهر أنّ هذه المحنة ليست مجرّد تحدّ، بقدر ما هي فرصة لإعادة اكتشاف قوّة المجتمع وإيمانه بالاستمرار. وبين كل رهبة وغموض، ينبثق الأمل، مؤكدًا أنّ المواطن اللّبناني قادر، حتّى في أحلك اللحظات، على بناء غد أكثر أمانًا واستقرارًا.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس