حين يرسم الأطفال الحرب ويعزفون القلق

حين يرسم الأطفال الحرب ويعزفون القلق

لم يعد الأطفال في لبنان يرسمون من خيالهم فقط، بل ممّا يرونه ويعيشونه يوميًا. في زمنٍ تتداخل فيه أصوات الشاشات مع أصداء الحرب، تحوّلت الأنشطة الفنية والموسيقية من هوايات إلى مساحات ضرورية للتعبير والتنفيس، حيث لم تعد هذه المساحات ترفًا، بل حاجة نفسية ملحّة في ظل واقع ضاغط ومعقّد.

توضح ريدا إبراهيم، مؤسسة "Brush and Muse" ومعلمة فنّ في مدرسة خاصة، أن دور الفنّ لم يعد محصورًا في التعليم، بل أصبح مساحة نفسية يحتاجها الأطفال بشدة. فهي تحرص خلال الحصص على إبعادهم عن أجواء الحرب، قائلة "نجلس مع الأطفال ونتحدث في أمور لا علاقة لها بالحرب، نستمع إلى أغاني فيروز ونضع الورق والأقلام أمامنا، ونشرح لهم الدرس بهدوء"، في محاولة لخلق بيئة آمنة ومريحة. وتضيف أن هذه الأجواء تساعد الأطفال على الاسترخاء، إذ "يهدأون ويشعرون أنهم يفرّغون ما بداخلهم".

إلا أنّ الواقع يفرض نفسه داخل الصف، إذ لاحظت تغيّرًا واضحًا في مواضيع الرسومات، "جميع الرسومات عن الحرب، عن الغارات الجوية التي تضرب الجنوب وبيروت ولبنان، وعن الألم الذي يعيشه البلد، إنه أمر مؤلم حقًا". وتشير إلى أن هذا لم يكن موجّهًا منها، بل جاء تلقائيًا من الأطفال، موضحة أنها طلبت منهم الرسم عن لبنان دون تحديد، "لكنهم جميعًا تقريبًا رسموا الحرب". وتضيف متأثرة "إذا كانوا يفكرون بهذا الشكل خلال حصة الرسم فقط، فكيف يفكرون طوال اليوم".

كذلك تشير إلى انعكاس الخوف في شكل مباشر على سلوك الأطفال، قائلة إنهم "إذا سمعوا صوتًا صغيرًا يظنون أنه قصف"، وهو ما يعكس حالة القلق المستمر التي يعيشونها حتى خارج لحظات الخطر الفعلي.

وفي هذا السياق، تحاول إبراهيم قدر الإمكان حماية طلابها نفسيًا، فتؤكد أنها تتجنّب فتح مواضيع الحرب داخل الصف، قائلة "لا نناقش هذه المواضيع مع الأطفال، بل نتحدث في أمور أخرى"، وتضيف "أتعامل مع الأطفال كأنني صديقتهم، ويمكنهم أن يخبروني بما يريدون". وتحرص على الحدّ من استخدام الهواتف داخل الحصّة، لما لذلك من أثر على تركيزهم.

ورغم هذه الجهود، يبقى التحدي الأكبر قائمًا، إذ تشير إلى أن "أكبر تحدٍ هو عدم قدرتي على التخفيف عن الطفل"، موضحة أن "لا أحد يعرف ما الذي يفكر فيه الطفل، وإذا كان الكبار يفكرون كثيرًا، فكيف هو حال الطفل". وتؤكد أن الأطفال يأتون وهم محمّلون بقلق كبير، وأن الفن يساعدهم على إخراج جزء من هذا الضغط، لكنه لا يزيله بالكامل.

وفي المقابل، تشدد إبراهيم على أن أهمية الأنشطة الفنية ازدادت في شكل كبير، "الرسم مهم جدًا لأنه يتيح لهم إخراج كل الطاقة السلبية"، وتضيف أن هناك أطفالًا يمتلكون مواهب "يجب دعمها وتنميتها"، خاصة في بلد يفرض تحديات كثيرة، ما يجعل الفن مساحة للتعبير وربما فرصة مستقبلية لهم.

الموسيقى ومواجهة القلق

من جهته، يوضح حنا النجار، مؤسس معهد "MIDAS" وحائز على ماجستير في العلوم الموسيقية، أن الموسيقى لطالما شكّلت نشاطًا مستقرًا، واصفًا إياها بأنها "نشاط ثابت وليس مجرد موضة عابرة"، في إشارة إلى أنها لا تتأثر بالموجات السريعة كما هو حال بعض الأنشطة الأخرى. ويضيف أن الأهالي "دائمًا يشجعون أبناءهم على الموسيقى"، إلا أن هذا التشجيع لم يعد كالسابق في ظل الظروف الراهنة.

فبحسب النجار، لا يزال الإقبال موجودًا، لكنه تغيّر بشكل واضح "الإقبال جيد، لكن بعد ثورة 17 تشرين، تغيّر كل شيء، ولم يعد كما في السابق"، موضحًا أن الوضع الاقتصادي وارتفاع التكاليف دفعا العديد من العائلات إلى إعادة النظر في أولوياتها. ويشير إلى أن بعض الأهالي باتوا يفضّلون الاحتفاظ بمصاريفهم، "هناك من يفضّل إبقاء هذا المبلغ لديه، لأنه لا يعرف ما قد يحدث".

ويلفت إلى أن المنافسة في هذا المجال ازدادت، إذ "أصبح هناك عدد كبير من المعاهد"، ما أثّر أيضًا على طبيعة العمل، وجعل الاستمرارية أكثر تحديًا. ويضيف أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بالحرب، بل يعود أيضًا إلى ما بعد مرحلة الثورة التي شكّلت نقطة تحوّل، حيث "كان العمل قبلها جيدًا جدًا"، أما اليوم فلم يعد كما كان عليه الامر في السابق.

وفي ما يتعلّق بأعداد الطلاب، يوضح النجار أن التراجع بات ملموسًا، "كان ينضم الى المعهد نحو عشرين تلميذًا، أما اليوم فلا يتجاوز العدد خمسة أو عشرة، وقد يغادر عشرة ويأتي خمسة"، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار في التسجيل والاستمرار. ويؤكد أن الحرب، حتى في المناطق غير المتضررة في شكل مباشر، تترك أثرها "خاصة مع حالة القلق العام وعدم الاستقرار التي تدفع الأهالي إلى اتخاذ قرارات أكثر حذرًا".

ويشير إلى أن الأنشطة التي كانت تشكّل عنصرًا أساسيًا في تجربة الطلاب، مثل الحفلات الموسيقية، تراجعت بشكل واضح، موضحًا "كنا ننظم حفلات كل شهر أو شهر ونصف، يشارك فيها خمسة أو ستة طلاب، ثم نقيم حفلًا كبيرًا في نهاية السنة، أما الآن فقد تم إلغاء هذه الحفلات"، ما أثّر على حافزية الطلاب. ويضيف أن هذه العروض كانت تدفع الطلاب إلى الالتزام، لأنهم "كانوا يتدرّبون بهدف الصعود إلى المسرح وتقديم ما تعلموه أمام الناس".

إلى جانب ذلك، يوضح النجار أن أسلوب التعليم تغيّر أيضًا، اذ لم يعد في الإمكان الالتزام الصارم بالمناهج، "في هذه الفترة لم نعد متقيدين كثيرًا بالمنهج، بل نعطي الطلاب موادًا يستطيعون التعامل معها في المنزل ليستمتعوا بها، من دون ضغط"، في محاولة لمراعاة حالتهم النفسية. ويضيف أن الهدف أصبح الحفاظ على استمرارية الطالب، لا إرهاقه، خاصة في ظل الظروف الحالية.

أما من ناحية الالتزام، فيشير إلى أنه لا يزال موجودًا بنسبة كبيرة، "نحو 90% من طلابنا ملتزمون"، إلا أن هذا الالتزام تأثّر بعوامل يومية، مثل أزمة المحروقات، موضحًا "بعض الطلاب لا يحضرون كل أسبوع، بل كل أسبوعين، لأن موضوع البنزين أصبح مشكلة"، ما يعكس تأثير الأوضاع المعيشية على تفاصيل العملية التعليمية.

 

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب