الغلاء يثقل يوميّات اللّبنانيين والحاجات الاساسية اصبحت عبئًا

 الغلاء يثقل يوميّات اللّبنانيين والحاجات الاساسية اصبحت عبئًا

سوبرماركت

بين ممرات مجمّعين تجاريين في منطقة الضبية، تبدو الواجهات كما هي: أضواء ساطعة، محال مرتّبة، ومجموعات ملابس صيفية جديدة يملأ الرفوف، لكن خلف هذا المشهد يغيب العنصر الأهم: الناس.

قبل أسابيع قليلة، خلال فترة التخفيضات، كانت الممرات مزدحمة، والحركة مستمرة، والمتسوّقون يتنقّلون بين المحال بحثًا عن فرصة شراء. أما اليوم، ومع انتهاء العروض وعودة الأسعار إلى مستوياتها المرتفعة، تراجع الإقبال بشكل واضح.

بين الساعة 11 صباحًا والثانية بعد الظهر، لا يتجاوز عدد المتواجدين في بعض الأقسام خمسة أو ستة أشخاص كحد أقصى. محال مفتوحة، موظفون في أماكنهم، لكن من دون زبائن. حركة خفيفة، وصمت غير معتاد في أماكن اعتادت على الاكتظاظ.

 

هذا التحوّل السريع لا يمكن فصله عن واقع اقتصادي يزداد ضغطًا، لا ينعكس فقط في المراكز التجارية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المنازل.وقد زادت عليه الحرب تحديّات ضاغطة في شكل يوميّ.

بالنسبة الى وردية يوسف، وهي أم لأربعة أولاد، لم يعد الغلاء مجرّد أرقام، بل تحوّل إلى عبء يومي، "رغم وجود أربعة أفراد عاملين في العائلة، إلا أن الدخل بالكاد يكفي لتغطية المصاريف الأساسية، خصوصًا مع أعباء أقساط المدارس والجامعات." وتقول يوسف في حديث لـ "كافيين دوت برس" كيف أثّر ارتفاع الأسعار مثل سعر قارورة الغاز بشكل مباشر على حياتها اليومية، مضيفة: "أصبح تأمين الغاز يشكّل عبئًا إضافيًا على ميزانية المنزل، خصوصًا مع الحاجة المستمرة له في الطبخ والاستخدامات اليومية". وتتابع "حتى عندما أملك قوارير فارغة، لم يعد في إمكاني تعبئتها بسهولة، إذ أصبحت مضطرة للالتزام بالأسعار المرتفعة من دون أي بديل، ما زاد من الضغط عليّ 

كأم مسؤولة عن عائلة".

ولا يقتصر الضغط على الغاز، بل يشمل أيضًا كلفة التنقل، حيث تقول: "البنزين أصبح مكلفًا إلى درجة أجبرتني على تغيير نمط حياتي اليومي". وتضيف "لم أعد أتحرك بحريّة كما في السابق، بل أضطر إلى تأجيل أي مشوار غير ضروري، وأحاول جمع عدة مشاوير في رحلة واحدة لتخفيف العبء على المصروف".

اما على صعيد الغذاء، فتصف يوسف الواقع بأنه بات صعبًا، مشيرة إلى أن: "أسعار الخضار شهدت ارتفاعًا غير مقبول، حيث وصل سعر كيلو البندورة إلى 250 ألف ليرة" وهذا الارتفاع انعكس مباشرة على القدرة على تحضير الطعام، إذ تقول "أصبح من الصعب على أي عائلة تحضير وجبة بسيطة، إذ إن تكلفة طبق صغير مثل الفتوش قد تصل إلى نحو مليون ليرة، وهي كمية لا تكفي لعائلة".

وتقول يوسف في ختام حديثها "لم يعد هناك ما يُسمّى بالرفاهية، بل أصبح همّنا الأساسي تأمين الضروريات والاستمرار حتى نهاية الشهر".

 

هذا الواقع المعيشي يطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة موجة الغلاء وأسبابها. وفي حديثٍ لـ "كافيين دوت برس"، يوضح رئيس جمعية حماية المستهلك في لبنان، زهير برو، أن ما يحدث اليوم يحمل أبعادًا مركّبة. ويقول "عند وقوع حرب، من الطبيعي أن نشهد ارتفاعًا في الأسعار، لكن ما يحدث لدينا أنّ بعض التجّار يستفيدون لتحقيق مصالحهم." ويضيف "هناك أسباب حقيقية، منها انقطاع خطوط الإمداد والارتفاع العالمي في أسعار النفط وتكاليف النقل، لكن هذا ينعكس في كثير من الأحيان على سلوك التاجر الذي يرفع الأسعار بنسبة كبيرة بما يخدم مصلحته."

ويؤكد "لا يمكن اعتبار الاستغلال أمرًا منطقيًا." مشيرًا إلى أن الاقتصاد اللبناني قائم بشكل كبير على الاستيراد، ويقول "الإنتاج المحلي شبه معدوم ولا يتجاوز 10 إلى 12%، ما يجعل التجّار الكبار يحققون نسب أرباح مرتفعة مقارنة بدول أخرى."

أما من ناحية توافر السلع، فيلفت برو إلى أن المشكلة ليست في الكميات، بل في الأسعار، قائلًا "لا توجد مشكلة في التوفّر، لكن السؤال الأساسي يبقى: بأي سعر؟".

وفي ما يتعلق بدور الدولة، يختصر الواقع بالقول "يكاد يكون دور الدولة معدومًا."

وعن المرحلة المقبلة، لا يبدو برو متفائلًا، إذ يختتم بالقول: "على الأرجح لن تعود الأسعار إلى الانخفاض، وحتى قبل عام 2019 كان لبنان من أغلى الدول في المنطقة، واليوم الأسعار الحالية بالدولار تفوق ما كانت عليه سابقًا."

 

على المستوى الاقتصادي، لا تكتمل الصورة من دون قراءة أوسع. ويؤكد الخبير الاقتصادي عماد الشدياق في حديثٍ لـ "كافيين دوت برس" أن موجة الغلاء الحالية "غير طبيعية، وهي نتيجة التوترات السياسية والحروب، لا سيّما التوتر الإيراني–الأميركي، ما يؤثّر على معدلات التضخّم عالميًا." ويضيف "لبنان يتأثر بذلك، لكننا لا نواجه تضخّمًا منظّمًا فقط، بل فوضى في السوق وغيابًا للرقابة."

ويشير إلى دور الشائعات في تفاقم الأزمة، قائلًا "تُستخدم الشائعات لخلق حالة هلع تدفع الناس إلى التهافت على الشراء، ما يبرّر لاحقًا رفع الأسعار". مؤكدًا أن "المشكلة الأساسية ليست في التوافر بل في الأسعار."

أما عن الأسباب، فيوضح أن "ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وارتباط معظم السلع بمواد مستوردة، ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج والنقل."

وفي موازاة ذلك، يلفت الشدياق إلى دور الاحتكار، قائلًا "الاحتكار يلعب دورًا أساسيًا في ظل غياب الرقابة وعدم قدرة وزارة الاقتصاد على ضبط الأسعار." ويشدّد "لا شيء يبرّر استغلال المواطنين أو تحقيق أرباح مفرطة."

وعن انعكاس ذلك على المواطنين، يوضح "القدرة الشرائية تتآكل بشكل واضح، فراتب بقيمة 500 دولار لم يعد يكفي إلا لجزء من الحاجات الأساسية." ويضيف: "لا توجد زيادات في الرواتب تتناسب مع هذا الغلاء، ما يعني أن المواطن يتحمّل العبء الأكبر."

ويختم الشدياق بتحذير واضح "إذا استمرّت الحرب، ستزداد الأوضاع صعوبة، وحتى في حال توقّفها، ليس من المؤكد أن تنخفض الأسعار."

 

 

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب