بين ضجيج الحرب واليوميّات الصاخبة التلوث السمعي "القاتل الصامت"

بين ضجيج الحرب واليوميّات الصاخبة التلوث السمعي "القاتل الصامت"

الضجيج

 صوت مولّد كهربائي لا ينطفئ، يليه هدير دراجة نارية مسرعة، ثم ضجيج سيارات وزمامير متواصلة، قبل أن يقطع هذا المشهد اليوميّ صوت طائرة أو درون يحلّق لساعات طويلة فوق المناطق السكنيّة. هكذا أصبح المشهد الصوتي في لبنان، حيث لم يعد الضجيج مجرّد تفصيل عابر من تفاصيل الحياة اليومية، بل حالة مستمرة ترافق الناس في الشوارع والمنازل وأماكن العمل وحتى خلال ساعات النوم. ومع الحرب، لم تعد الأصوات المرتفعة تقتصر على الازدحام المدنيّ والموّلدات، بل دخلت الأصوات العسكرية الثقيلة إلى الحياة اليومية، ما ضاعف من حدّة التلوث السمعي وآثاره الصحية والبيئية، في ظل غياب الرقابة والحلول الفعلية للتخفيف منه. 

وفي حديث لـ"كافيين دوت برس"، شدّد رئيس حزب البيئة العالمي والخبير البيئي الدكتور ضومط كامل على أن التلوث السمعي أصبح جزءًا من الحياة اليومية، موضحًا أن مصادره لا تقتصر على الحروب أو الطائرات المسيّرة، بل تشمل أيضًا الموسيقى المرتفعة، والسيارات، والمصانع، والمكيّفات، إضافة إلى المطاعم والحانات. 

وقال كامل"التلوث السمعي موجود في كل شيء تقريبًا"، معتبرًا أن التعرض المستمر للضجيج، حتى لفترات قصيرة، يترك آثارًا صحية خطيرة على الإنسان. وأشار إلى أن المعايير العالمية تفرض أن تبقى مستويات الصوت "تحت 45 ديسيبل نهارًا، وتحت 30 ديسيبل ليلًا، بينما تتجاوز النسب في لبنان هذه الحدود بكثير، من دون أي رقابة فعلية أو وعي كافٍ بخطورة التلوث السمعي". وأضاف "في لبنان لا أحد يفكر بالديسيبل أصلًا، ولا يعرف ما هو التلوّث السمعي"، رغم أن هذا الملف يجب أن يكون، بحسب قوله، "ضمن الأولويات لأنه يؤثر كثيرًا على صحة الإنسان". 

ولفت إلى أن القوانين العالمية تحدد ساعات العمل المسموح بها بحسب مستوى الضجيج، موضحًا أنه "إذا كان الإنسان يتعرض باستمرار لـ90 ديسيبل، فلا يحقّ له أن يعمل أكثر من 3 أو 4 ساعات". وأشار كامل إلى أن المدن والطرقات العامة في حاجة إلى خطط عمرانية وصوتية واضحة للتخفيف من الضوضاء، معتبرًا أن المناطق القريبة من الأوتوسترادات تشكّل "كارثة يومية" للسكان بسبب الضجيج المتواصل. وأضاف "إذا كنت واقفًا على أوتوستراد جونية، فأنت تعيش في ألم بسبب الضجيج ولا تستطيع أن تسمع بشكل طبيعي". 

كذلك أشار إلى أن التلوث السمعي المرتفع على الأوتوسترادات يؤثر بشكل مباشر على السكان القاطنين بالقرب منها، موضحًا أن "البيوت الموجودة الى جانبها تعيش حالة ضجيج دائم"، وأن الدراسات تشير إلى ضرورة ابتعاد المناطق السكنية مسافات كافية عن الطرقات السريعة للتخفيف من الأضرار الناتجة عن الضوضاء المستمرة. 

وأكد أن آثار التلوث السمعي لا تظهر بشكل فوري فقط، بل تتراكم مع الوقت، لافتًا إلى أنها "تؤثر على السمع، وعلى الدماغ، وعلى مختلف عناصر الجسم". وتابع كامل "الناس اليوم يعيشون وكأنهم في كوكب آخر، أو في فكرة أخرى بعيدة عن هذه المخاطر"، في إشارة إلى غياب الوعي بخطورة التلوث السمعي وتأثيراته الطويلة الأمد. 

كما شدّد على أن خطر التلوث السمعي لا يقتصر على الإنسان، بل يطال أيضًا التوازن البيئي والكائنات الحية، قائلًا إن الطيور والحيوانات والكائنات الدقيقة تتأثر في شكل كبير بالأصوات المرتفعة، مضيفًا "هناك طيور تموت داخل الأعشاش بسبب الضوضاء لأنها لا تستطيع تحمّلها"، كما أن "الطيور المهاجرة تغيّر مساراتها بسبب الأصوات المرتفعة والضوضاء". 

ووصف كامل التلوث السمعي بأنه "القاتل الصامت"، نظرًا إلى تأثيراته التدريجية والخطيرة على الصحة العامة والبيئة، مشيرًا إلى وجود دراسات تربط بين العيش في مناطق شديدة الضجيج وارتفاع المشكلات الصحية وانخفاض متوسط الأعمار. 

وختم بالتأكيد أن الحلول موجودة وقابلة للتطبيق، لكن "الجهات المعنية لا تريد تطبيقها"، داعيًا إلى وضع التلوث السمعي ضمن أولويات السياسات البيئية والصحية في لبنان. 

ومن الناحية الصحية، أوضحت اختصاصية السمعيات وخبيرة الصوتيات مارغريت تنكريان، في حديث لـ"كافيين دوت برس"، أن التعرض المستمر للأصوات المرتفعة خلال الحرب قد يؤدي إلى مشاكل سمعية مؤقتة أو دائمة، مشيرة إلى أن "العسكريين، والعاملين في المصانع، وكل من يتعرض يوميًا للأصوات العالية، هم الفئات الأكثر عرضة لمشاكل السمع". 

وأضافت أن التعرض المتواصل لأصوات الطائرات والانفجارات على مدى أسابيع أو أشهر قد يؤدي إلى طنين دائم في الأذن أو ضعف في السمع، شارحة أن الطنين، أو ما يُعرف طبيًا بـ“Tinnitus”، "قد يرافق الشخص مدى الحياة، لأنه في كثير من الحالات لا يوجد له علاج نهائي". 

وأشارت إلى أن تأثير الأصوات المرتفعة لا يكون دائمًا بالحدة نفسها، إذ قد يبدأ بضعف سمع بسيط قبل أن يتفاقم مع استمرار التعرض للضجيج، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعملون في بيئات صاخبة كالمصانع والطرقات وورش البناء. ولفتت إلى أن الانفجارات القريبة قد تؤدي أحيانًا إلى ثقب في طبلة الأذن، ما يسبب ضعفًا في السمع والتهابات ومضاعفات تحتاج إلى علاج أو عمليات جراحية، مشيرةً إلى أن "بعض الحالات تكون موقتة، فيما قد يصبح الضرر دائمًا لدى آخرين بحسب قوة الصوت ومدّة التعرض له". 

وأكدت تنكريان أن وسائل الحماية المتوفرة، مثل سدادات الأذن والسماعات المخصصة للحماية السمعية، تساعد في التخفيف من حدّة الأصوات المرتفعة، لكنها "لا تؤمّن حماية كاملة"، إذ إن الحماية تقتصر غالبًا على الأذن الوسطى، بينما "يبقى العصب السمعي والأذن الداخلية عرضة للتأثر المباشر بالأصوات القوية". 

وأضافت أن أفضل وسيلة للحماية تبقى "الابتعاد عن مصادر الضجيج قدر الإمكان"، مشيرة إلى أن بعض السماعات المستخدمة في أوروبا والولايات المتحدة تحتوي على فلاتر خاصة "تخفف ما بين 30 و40 ديسيبل، وتُستخدم في شكل واسع لدى العسكريين والعاملين في المصانع والبلديات". وأوضحت أن الجهات المشغّلة في الخارج تكون مسؤولة عن تأمين معدات الحماية السمعية للموظفين، بينما لا يزال هذا الأمر غائبًا إلى حد كبير في لبنان بسبب الكلفة المرتفعة وضعف تطبيق إجراءات السلامة المهنية. 

 

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب