في ايام الحرب: مهرجان السينما يعيش "الاحلام"
"الحرب أصبحت جزءًا من حياتنا، وكأننا نعيش في حلقة لا تنتهي"، بهذه الكلمات يصف إبراهيم سماحة، مؤسس Cabriolet Film Festival، الواقع اللبناني الذي انعكس مباشرة على موضوع المهرجان على مرّ السنوات. وفي دورة هذا العام، يقول سماحة أن اختيار موضوع "Dreams" أي الاحلام، لم يكن قرارًا عشوائيًا، بل جاء انطلاقًا من الواقع الذي يعيشه اللبنانيون اليوم "دائمًا نختار المواضيع بحسب الوضع الموجود، إن كان هناك استفزاز أو نقص ما. دائمًا هناك حاجة للحديث عن شيء أو التعويض عن شيء مفقود".
ويستعيد سماحة مسار المواضيع التي رافقت المهرجان خلال السنوات الماضية، موضحًا كيف ارتبطت كل دورة بمرحلة عاشها لبنان. فيوضح موضوع العصيان "Disobey" جاء لأن بيروت كانت تحت القصف، وبعد الانفجار قدّمنا موضوع الوجود "Exist" بعدها صار كل شيء غريبًا وغير طبيعي، لذلك أصبح الموضوع الغرابة "Weird"، ثم انتقلنا إلى فكرة البيت والانتماء "Home"، وبعدها إلى الآخر "The Other" المرتبط بعلاقتنا مع الآخر".
أما "الأحلام"، بالنسبة إليه، فتمثل محاولة للعودة إلى الإنسان الداخلي رغم كل ما يحيط به من انهيارات. ويقول "مهما حصل، هناك دائمًا تلك النقطة التي تعيد الإنسان إلى طفولته، إلى رغبته بالحلم. الفنان هو الطفل الذي يبقى حيًا داخل الإنسان حتى عندما يكبر".
ويربط سماحة هذه الموضوعات مباشرة بالحرب والواقع اللبناني، معتبرًا أن "الأزمات المتكررة والحرب أصبحت جزءًا من حياتنا". ورغم هذا الواقع، يصرّ القائمون على المهرجان على الاستمرار، إذ يؤكد سماحة "إذا عاش موسيقي في ملجأ، هل يتوقف عن كونه موسيقيًا؟ بالتأكيد لا. وكذلك نحن، هذا الشيء الذي نعرف أن نفعله وسنستمر بفعله مهما كانت الظروف".
ويتوقف سماحة طويلًا عند انفجار مرفأ بيروت، معتبرًا أنه كان أقسى من كل الحروب التي عاشها سابقًا "كنت أظن أنه لا يوجد شيء يمكن أن يكون أكبر من ذلك، لكن الانفجار حصل وبعده كان هناك فسحة صغيرة، أما الآن فنحن في قلب الأوضاع". ويضيف أن اللبنانيين اعتادوا نفسيًا على فكرة الحرب، "لكن وقت انفجار بيروت كان الناس يعيشون في بيوتهم وفي عاصمتهم وفجأة طار كل شيء".
وعند سؤاله عن كيفية اتخاذ قرار إقامة النشاطات في بعض المناطق اللبنانية رغم الظروف الأمنية، يجيب سماحة أن "المخاطرة الحقيقية تكمن في عدم القيام بالمهرجان"، مشيرًا إلى أن المهرجان يُقام في صيدا في شكل طبيعي، فيما اُلغيت بعض المحطات في مناطق أخرى لأن "الوضع لا يحتمل". ويؤكد أن التعامل مع كل منطقة يختلف بحسب ظروفها وأهلها، مضيفًا أن بعض القرى رفضت استضافة النشاطات، "ولم يكن الهدف فرض وجودنا في أماكن لا ترغب بذلك".
وبالنسبة إليه، "لم يعد Cabriolet Film Festival مجرد مهرجان سينمائي، بل أصبح هوية". وعن التحديات اللوجستية والمادية، يؤكد سماحة أن الصعوبات مستمرة منذ انطلاق المهرجان عام 2012، لكنه يشير إلى أن "الحروب والظروف الصعبة ازدادت أكثر". ورغم ذلك، تضم دورة هذا العام 35 فيلمًا تتمحور جميعها حول الأحلام.
وتشهد الدورة الحالية أيضًا إضافة جديدة بعنوان Audience Award، حيث سيتمكن الجمهور من التصويت لأفضل فيلم قصير محلي وأفضل فيلم قصير عالمي ضمن موضوع "Dreams." أما عن التفاعل المتوقع، فيقول سماحة "من المفترض أن نشهد حضورًا وتفاعلًا أكبر لأن هذا العام الجمهور سيشارك بالتصويت".
ويشير سماحة إلى أن المهرجان بات حاضرًا في أكثر من منطقة لبنانية، موضحًا أنه أصبح "لكل مدينة تقريبًا مهرجانها الخاص للسينما: جونية، جبيل، دوما، زحلة، وغيرها". ويعتبر أن هذا الانتشار يخلق علاقة طويلة الأمد بين الناس والمهرجان، ويعزز شعورهم بأن هذا الحدث الثقافي يخصهم.
أما بالنسبة الى الضيوف من خارج لبنان، فيوضح سماحة أن المشاركة الأجنبية غائبة بسبب الظروف الأمنية، قائلًا: "لا أستطيع أن آخذ على عاتقي وأقول لهم تعالوا، وخصوصًا أننا أصبحنا خارج الميزانية". لكنه يشير في المقابل إلى وجود مشاركات لبنانية فنية عديدة، إلى جانب ندوات وحوارات تتناول الرقابة خلال الحرب، والسينما العربية، وتاريخ السينما الإسبانية، والتصوير الفوتوغرافي.
و يتضمن المهرجان ورش عمل وندوات متعددة، إلى جانب Cabriolet Kids Film Festival "المعتمد من Clermont-Ferrand، أكبر مهرجان عالمي للأفلام القصيرة". وتشمل الفعاليات المخصصة للأطفال "نشاطات في متحف سرسق، منها ورش تمثيل، وحملات توعية عن الحياة البحرية، وجلسات علاج ودعم نفسي".
ويؤكد سماحة أن "كل هذا العمل يتم التحضير له طوال سنة كاملة من أجل ثلاثة أيام فقط، لكنه مهرجان وطني بكل معنى الكلمة".
وفي حديثه عن المتطوعين، يشير سماحة إلى أن عدد المراهقين المتطوعين تراجع مقارنة بالسنوات الماضية، موضحًا أن "الحماس كان أكبر سابقًا، أما اليوم فالعدد أقلّ والجديّة مختلفة، فيبدأون بحماس ولكن عند الجديّة وبدء العمل لا يملكون القدرة على الاستمرار". لكنه يؤكد أن الأهم بالنسبة إليه ليس العدد، بل وجود أشخاص يؤمنون فعلًا بالفكرة ويحملون الشغف نفسه تجاه المشروع.
ويختم سماحة حديثه قائلًا "أنا شخصيًا ما زلت أعيش هذا المهرجان بشغف، رغم أنني مؤسسه. وهناك كثيرون في فريق العمل يشعرون بالشيء نفسه. صحيح أن بعض الناس اليوم لا يفهمون الفكرة أو لا يملكون هذا الشغف، لكن هذا طبيعي".


