حيّ السيدة في زغرتا: ترميم القديم يحافظ على الالفة
متنقّلًا بين أحياء زغرتا القديمة وشوارعها العتيقة، يشعر الزغرتاوي وكأن حجارة البيوت تحتضنه من كل الجهات، وتحكي له قصصًا من زمن لا يزال حيًّا في الذاكرة. وبين حيّ وآخر، تستيقظ ذكريات الطفولة والجيرة، ووجوه الأصدقاء والأقارب الذين صنعوا ملامح تلك الأيام.

لم تكن زغرتا في بداياتها سوى مساحة صغيرة تنبض بالحياة حول كنيسة السيدة، ومنها تشكّلت الأحياء القديمة التي راحت تكبر وتتوسّع مع تكاثر السكان. ويشير الباحث روي عريجي إلى أنه مع منتصف القرن التاسع عشر، أصبح شارع الساحة الممتد من السراي حتى كنيسة السيدة السوق الرئيسي للبلدة، فتحولت زغرتا إلى "بندر" تجاري يقصده الناس. وكانت المحال التجارية والمستودعات تجمع بين العمل والسكن، فخُصّص جزء منها للبيت، فيما اتخذ الجزء المطل على الشارع طابعًا تجاريًا.

ويضيف عربجي أن زغرتا التي عرفها الأجداد ليست هي نفسها اليوم، فقد تغيّرت ملامحها مع الزمن وتبدلت الحركة التجارية، فيما غادرت كثير من العائلات منازلها إلى طرابلس بعد الاحداث العائلية، وفرغت بعض الحارات من أهلها. وبعد حرب السنتين، شهدت زغرتا مرحلة جديدة من التوسع، لتأتي سنوات 1979 و1980 مع افتتاح الشارع الجديد الذي رسم ملامح أسواق وحارات جديدة.
ويعتبر أنّ أكثر ما يحنّ إليه أبناء زغرتا اليوم هو تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت روح المكان. ففي الماضي، كانت البيوت متلاصقة إلى حدّ تبدو وكأنها بيت واحد، إذ كان الجار يكرّم جاره بعدم إقامة حائط جديد يفصل بينهما. وكانت الساحة أشبه بسطح كبير يجمع الجميع، فيما كانت الحياة اليومية تقوم على المشاركة والتكافل. ففي زمن الصوم مثلا لم تكن كل العائلات تحضّر الطبق نفسه، بل كانت مائدة الحارة الواحدة تضم مختلف المأكولات التي يتشاركها الجميع. وكانت النساء يجتمعن لغسل الثياب، ويتشاركن العجن والخَبز الذي كان يفوح عبقه من البيوت والأفران القديمة. ومع ضيق المساحات، بدأ كثيرون بترك هذه البيوت الصغيرة والانتقال إلى منازل أكثر اتساعا. كما شهدت الأحياء القديمة تغيرًا مع استئجار عدد من النازحين السوريين منازل فيها، قبل أن تعود الحركة إليها تدريجيا مع ترميم عدد من البيوت ومغادرة بعض المستأجرين.

ويشير الى ان الرهان اليوم على إعادة إحياء هذه الأحياء القديمة، ليس بتغيير هويتها، بل بالحفاظ عليها وتنشيط حركتها التجارية والسياحية، لتبقى شاهدة على ذاكرة زغرتا وروحها التي لم تغب رغم كل التحولات.

يصف سركيس هذه الأحياء بكلمات نابعة من القلب، وكأنه يتمنى أن يعود إليها كل مغترب وكل من ترك الحارة، إلى هذا المكان الذي لا يزال يشكّل مصدرا للأمان والانتماء بالنسبة إليه.
ويقول "إنّ الترميم جمّل الأحياء. كانت البيوت في الماضي مؤلفة من طابق واحد، أما اليوم فنرى بيوتًا من طابقين أو أكثر، لكن الرمز لايزال موجودًا دائمًا. زغرتا القديمة بدأت من هذه الأحياء منذ أيام يوسف بك كرم، وعاشت فيها كل العائلات الزغرتاوية. كان الجار للجار، وكانت الألفة والمحبة تجمع الجميع، ولم يكن ينقصنا أي شيء. كانت المدارس موجودة، وأولها مدرسة مار يوسف الرسمية، إضافة إلى كنيسة السيدة، والدكاكين والأفران والسوق، ولم نحتج يوما إلى شيء".


وتشير إلى أن الكثير من الزوار يقصدون هذه الأحياء للاستمتاع بجمالها والتقاط الصور فيها، معتبرة أنها من أجمل أحياء زغرتا وأكثرها تميزًا.

وترى أن أعمال الترميم، من دون شك، أضفت جمالًا ورونقًا مميزيّن على الأحياء القديمة، إلا أن الحيّ كما كان في الماضي، بحجارته وروحه وكيانه، يبقى الأجمل بالنسبة إليها، إذ يختزن الكثير من الذكريات الجميلة التي لا تزال متعلقة بها.وتضيف "بقينا في هذا الحي 29 سنة وانتقلنا إلى حيّ قريب، ولكن هذه الحارة هي قلبي وروحي". وتؤكد أن علاقات الجيرة لا تزال موجودة حتى اليوم، لكنها أقلّ بكثير مما كانت عليه سابقا.
وتختم بالقول "هيديك الأيام حلوة كتير وما بترجع، وبتبقى سيدة زغرتا هي الأساس، هي أمّنا كلنا وكل اتكالنا عليها".

وتقول أورور "نجلس هنا كل يوم خلف الكنيسة، تسندنا أحجارها وكأنها تحمينا"، مشيرة إلى أن الحي أصبح أكثر جمالًا بعد أعمال الترميم التي أعادت إليه رونقه، أما شقيقتها فتقاطعها لتقول "الحيً القديم أجمل، وكانت الجيرة أجمل أيضا".
وتؤكد الشقيقتان أن كنيسة سيدة زغرتا تبقى قلب الحيّ النابض، فهي مقصد أبناء المنطقة وزوارها على حدّ سواء، وتقولان "الجميع يقصد السيدة ويزورها، وهي كنيسة أثرية عريقة ننتظر عيدها كل عام حيث تمتلئ الحارة بالمؤمنين الوافدين من مختلف المناطق، إضافة إلى الذين يسيرون على الأقدام من إهدن إلى السيدة وفاء لنذرهم". وتختمان قائلتين "نحن لا نخاف سوءًا، لأن السيدة معنا".
ملاحظة: الصور بالابيض والاسود من كتاب "زغرتا تاريخ من تاريخ (٢٠١٧)" للباحث روي عريجي
